عاصم البلال الطيب يكتب : أجراس فجاج الأرض… تحت أدخنة المسيرات ثالثهما … عواطف والعواصف صديق البادى

أجراس فجاج الأرض
عاصم البلال الطيب يكتب : أجراس فجاج الأرض… تحت أدخنة المسيرات ثالثهما … عواطف والعواصف صديق البادى
الزول السمح
رائحته فواحة بأخبار المطابع ، من فرط عشق ووله بالإطلاع على كل شئ ولو ملقى بقارعة الطريق ، ينهب الأرض ويدج بما ينفع الناس ، ويبيع العطر ضوعات ضوعات ، تسبق طلته البهية لمن يشتاقون إليها، مشيته المتأملة ، لاشئ فى الطريق يشغله مطرقا غير القراءة والكتابة ، يشغفه ذكر السودانية والترابلة منهم ، يقدم القراءة على الكتابة ، وخطوته اليمين تسبق اليسار ، غير متعجل ويتمهل عند منحنيات الجمال ويتجاوز تجاعيد الزمان ، الجلباب الأبيض سُدله بانتظام وعمامة متوسطة بيضاء نصفها ملفوف والآخر مسدول ، قليلا ما يعمعمها صديق البادى باحكام ، وصديق يأتيك من جهة الجزيرة يحمل طى جوانحه كل السودان ، أعرفه والأظافر فى بلاط صاحب الجلالة أنعم ، صديقا لتعدد أبعاده وإمينا مع النفس والآخر ، شخصيتة روائية الأجناس ، قليلا ما تصادفك واقعا وبين طى امهات كتب الرواة ، صفات نادرة وزهد ثرى ، لايزيدك عن كونه صديق البادى مكانا ولا شخصا ولا زمانا ، منتهى الأعتداد الصامت بالذات ، أربعون سنة تلاقينا دواما بين الخاطر والبال ، وافتراقنا يتعجل أمكنة مقابلتنا ، ديوانا فى مكاتب الجرايد ومكتبات بيعها ، ومقاعد مطالعتها مبثوثة بقايا إطارات سيارة وكتل حجرية وأعجاز شجرية ، يقرأ كل شئ قبل أن يكتب ويحمل للجرايد ، و صديق يصادف مرورك لدى أبواب الدار السودانية للكتب ، وميدانا فى مقهى أتنى التاريخى بالخرطوم وعند سيد المقام والضريح أبوجنزير ، تلاطفنى صور ولقطات من مشاهد اللقيتين مع صديق البادى ، تؤانسنى فى وحشتى وغربتى ، أما الأولى فهى الممتدة عن الذات والأخرى عن الولد والأهل والديار إثر فجعتينا بحرب الشواظ واللهب ، حرب الإدماء للقلوب والإفجاع للأرواح ، يهاتفنى صديق البادى من ولاية الجزيرة قبل الإجتياح وعزه وأثنائه ، يخابرنى عن الأحوال وحصارى فى شمبات يتعقد ومؤنه تنفد لولا دفع وممدد من قبالة مسيد التكايا ، مسيد شيخ الأمين ، وبعد سقوط كبيرة الجزيرة تتبعت مع البادى عبر تواصل متقطع ، اجتياح القرى واحدة واحدة حتى انقطاع الوصل لكم من الوقت لا أدريه . وذات نهارية ساحلية نازحا ببورتسودان ، يفاجئى صديق عبر اتصال بحضوره نازحنا ، وتنازعنا فرص اللقاء ، وتحقق وحيدا جوار محطة موقف المواصلات فى قلب السوق الكبير ، ذاته صديق البادى إلا من نظارة طبية سوداء سبقته على إرتدائها سنين عددا ، ولأول مرة مذ تلاقينا ناديت أحدهم لالتقاط صورا ، اهتم البادى قبل التقاطها بتدوير العمامة وبعدها أبدى حرصا على إلقاء نظرة عليها وهو الزاهد فى الصور ، إطلالته الصحفية جميعها بدون صورة ، ولربما لاحساس ما تسوره إرتضى البادى مبادرتى لأخذ صورا مشتركة وسماء بورتسودان نهارا أقبية بالأدخنة يومها مسودة وبالليل جراء ساربات الليل المسيرات محمرة ، مشهد يدمى كلينا إستمرار الحرب والعالم يتفرج وا أسفينا. ويا لإحساس تلبسنى عند ذيوع خبر استشهاد اللواء أركان حرب أبوعبيدة فضل الله إبراهيم بمقر الأمن العسكرى بكافورى بسرب مسيرات غادر ، واللواء الشهيد عن قرب أعرفه قائدا وامينا وهو أحد أبطال التصدى لحرب إفناء البلاد وممن قضوا عاما ويزيد بأسلحة الجيش المحاصرة بطوق دولى ، خرج مصابا وزرته متعافيا ببورتسودان وشهدت معاناته بالمستشفى ، لم أنم ليلتها ، ولم أتفاجأ باستهداف مثله بمسيرة غدر وخسة ، ولكن العزاء حواء الجيش ولود.
إزميل صلاح
صديق البادى حكاية من التأليف ورواية تمشى بين السودانيين ، متفرغ للتوثيق ، يسافر لكل الأرجاء يكايد ليتحقق من معلومة قبل أن يضمها لأى من أسفاره منتج أسفاره ، وصرفه خاص من جيب لايرحمه والغاية أنبل ، لابنتظر إنتهاء الحرب و هو ممن تعرض لمباشر نيرانها وانتهاكاتها ، لم تثنه تداعباتها من الإعتكاف للكتابة والتأليف ، أميال وأميال تفصلنا بيد أنى أراه بين الحروف مثلثاً لأعظمينا وأستاذينا حسن نجيلة والطيب صالح ، معلمينا وملهمينا للكتابة والتأليف ورصن حروف لغة الضاد وغزلها ، بتواتر السنوات يرتفع كعب صيت وشهرة صديق البادى فى التأليف للرقمين ، وثلاثتهما لم يتعاصرا ، مدارس تختلف عن بعضها بعضا وتختلج . ولما التقيته بعد غيبة ، ذات صديق يتأبط كتابا هدية معتادة ، رواية عواطف والعواصف مضمنة قصص قصيرة مع وعد من البادى بتواتر السلسلة ، ويكمل بروايته هذه وقصصها خمسة عشر كتابا تبارك الله ، هذا غير تحليلاته وكتاباته فى عديد الصحف السيارة وهو ممن حذروا وتنبؤا بالحاصل وأسبابه مع الإلقاء بحزمة تفانين من الحلول ، وروايته التى نشرها فى سنوات الحرب فى سبتمبر ٢٠٠٤م تعبير عن إيمانه العميق بسلاح الكلمة وغلبة سلطة الآراء والبرامج ، وعواطف والعواصف يبدو إستمدادها من الواقع جليا والحياة المجتمعية وأثر تقلبات الدهر فيها وعليها ، ورواية صديق فى الحرب دعوة للإستمرار فى القراءة والكتابة بحسبانهما لا غنى عنها ، وعلى طريقة صديق لا تقديم لا تقريظ يتصدر الرواية بل إسمه وبلا صورة مع دعوة رقيقة للقارئ ليبلغه ملاحظاته وتقييمه وتقويمه عبر الأسافير فيلتقطها أو من ينوب عنه فيبلغه ، ويصدر صديق باختيار ذكى روايته عواطف والعواصف برائعة يزيد بن سلطان نالت على يدها مالم تنله يدى ، عجيب صديق البادى وفى غلاف الرواية الأخير لم يخطط سيرة ذاتية مكتفيا بالإسم الثنائى الفخيم صديق البادى ، وعلى غلاف الختام إقتطع من رياض غضة طرية ولسان حاله ليت لى إزميل صلاح أحمد إبراهيم:
فى غد يعرف عنا القادمون
أى حبٍ حملناه لهم
فى غدٍ يحسب منهم حاسبون
كم أيادٍ أُسلفت منا لهم








