السفير.د.معاوية التوم يكتب : السودان وروسيا: اتفاق في أربعة مجالات ومذكرة مصرفية تحمل دلالات أبعد من الاقتصاد!؟

السفير.د.معاوية التوم يكتب : السودان وروسيا: اتفاق في أربعة مجالات ومذكرة مصرفية تحمل دلالات أبعد من الاقتصاد!؟
في خضمّ الحرب المندلعة والضغوط الغربية المتزايدة، أبرم السودان وروسيا اتفاقًا اقتصاديًا جديدًا امس بموسكو يغطي أربعة مجالات رئيسية: المعادن، النفط، الطاقة، والنقل والبنية التحتية، فيما جاءت “المفاجأة” بتوقيع مذكرة تفاهم تخصّ القطاع المصرفي، وهو ما أضفى على الاتفاق أبعادًا سياسية واستراتيجية لافتة تتجاوز حدود الاقتصاد.
رسالة إلى الغرب
يمثل هذا التوجه السوداني صوب موسكو إشارة واضحة إلى أن الخرطوم لم تعد حبيسة خيارات الغرب وحده وضغوطه . فبينما تتحدث العواصم الأوروبية والأمريكية بلغة الضغوط والعقوبات على خلفية بينان الرباعية من واشنطون في ١٢ سبتمبر الجاري. يبعث الاتفاق مع روسيا برسالة سياسية مؤداها أن السودان قادر على تنويع شراكاته والانفتاح على قوى كبرى منافسة، الأمر الذي يمنحه هامشًا أوسع للمناورة في لحظة حرجة من تاريخه.
صراع الإرادات والفيتو الروسي
لا يمكن قراءة الاتفاق السوداني–الروسي بمعزل عن التوازنات السياسية الدولية. ففي الأسابيع الماضية، تقدّمت بريطانيا بمشروع قرار في مجلس الأمن يستهدف الحكومة السودانية، لكن روسيا استخدمت حق النقض (الفيتو) لتعطيله، في خطوة مثّلت دعمًا سياسيًا صريحًا للخرطوم لاول مرة في تاريخ علاقات البلدين. هذا الموقف يجسّد صراع الإرادات بين القوى الكبرى على الساحة السودانية: الغرب يسعى إلى فرض وصايته عبر الضغوط والعقوبات، بينما تستخدم موسكو أدواتها في مجلس الأمن لتكريس نفوذها ومنع تمرير أجندة لا تخدم مصالحها أو مصالح حلفائها. هنا يتضح أن التعاون في مجالات المعادن والطاقة والبنية التحتية ليس مجرد شأن اقتصادي، بل جزء من معادلة أشمل، حيث يمتزج الاقتصاد بالسياسة والأمن الدولي. بالنسبة للسودان، يشكّل الفيتو الروسي مظلة سياسية تعزز موقفه في مواجهة الضغوط الغربية، فيما ترى موسكو في الخرطوم منفذًا استراتيجيًا لتعميق حضورها في أفريقيا وتوسيع رقعة نفوذها في مواجهة المعسكر الغربي.
أبعاد اقتصادية مباشرة
على الصعيد الاقتصادي، يعوّل السودان على الاستفادة من الخبرات الروسية في قطاع المعادن والطاقة، واستقطاب استثمارات تسهم في إعادة الإعمار وإصلاح ما دمرته الحرب. كما يشكّل التعاون في مجال البنية التحتية – خاصة الطرق والجسور – مدخلًا مهمًا لإنعاش الاقتصاد المحلي، وربط الأقاليم بما يعزز فرص النمو والتنمية المتوازنة المستدامة.
أما التعاون المصرفي، فهو بمثابة كسر لحاجز طويل من العزلة التي فرضتها القيود الغربية على النظام المالي السوداني. فوجود قنوات مصرفية مع روسيا قد يفتح المجال أمام تسهيلات في التجارة والتحويلات، ويوفر متنفسًا اقتصاديًا يخفف من الضائقة الراهنة.
مخاطر وتحديات
غير أن هذه المكاسب المحتملة لا تخلو من تحديات في طياتها. فالتعاون مع بنوك روسية قد يعرّض السودان لضغوط إضافية، خاصة إذا كانت تلك البنوك خاضعة للعقوبات الغربية. كما أن عقود استغلال الموارد الطبيعية تثير دومًا مخاوف داخلية بشأن الشفافية وضمان حقوق الأجيال القادمة. يضاف إلى ذلك أن استمرار الحرب قد يهدد استقرار أي مشاريع استثمارية، ويقيد عوائدها على المدى القريب.
التوازن الدقيق
يجد السودان نفسه اليوم أمام معادلة دقيقة: كيف يستفيد من الشراكة الروسية دون أن يُنظر إليه على أنه منحاز لمحور بعينه؟ فالنجاح في هذا المسار يتطلب دبلوماسية متوازنة تتيح للخرطوم أن تستثمر في الانفتاح على موسكو، من دون أن تخسر جسور الحوار مع الغرب أو الشركاء الإقليميين الآخرين.
قراءة ختامية
اتفاق السودان مع روسيا ليس مجرد تفاهم اقتصادي عابر، بل خطوة تحمل رسائل سياسية واقتصادية في آن واحد، وربما تمهيد لتقارب عالي المستوى في الايام القادمة في فضاءات اخرى أكثر أهمية . فإذا ما أُحسن استغلالها بشفافية وحذر، يمكن أن تمنح السودان متنفسًا مهمًا في مواجهة الضغوط الغربية في الواقع الحالي. أما إذا أُديرت باندفاع أو غياب للتوازن، فقد تتحول إلى ورقة جديدة تضيف إلى أعباء بلد يواجه تحديا جديا، تقوم عليه ارادات متعارضة في تعاطيها قد تضير بمصالحه ازاء هذا التقارب بحجمه وتوقيته.
————
٢٢٥ سبتمبر ٢٠٢٥م








