رأي

فهمي السيد يكتب :الصالحة .. قصة نزوح في الخميس الأخير  

فهمي السيد يكتب :الصالحة .. قصة نزوح في الخميس الأخير

 

 

عاش غالبية المواطنون بمنطقة صالحة ، جنوب ام درمان ، عامين من الحرب في منازلهم ، فبعد نزوح البعض ، أستبيحت المنازل وتم إفراغها من محتوياتها عبر عمليات نهب متدرجة بدأت بالسيارات الفارهة ، ثم إنخفضت مستويات النهب شيئا فشيئا ووصلت درجة لم يتخيلها احد يوما ، و كان قرار النزوح لدي البعض يمثل خيارا صعبا وهم يشاهدون البيوت التي نزح أصحابها أفرغت من كل شئ ، الا الذكريات.

 

وجد “السني كرم الله” ، الشاب العشريني نفسه وعائلته امام خيار واحد ، الخروج من صالحة للعلاج ، والده مصاب برصاصة في رجله اليسرى بواسطة احد أشرار المليشيا ، وعمه الذي اخترقت رصاصة عرش المنزل وإستقرت في صدره وهو يلازم

شقيقه ، وظلت في صدره حتى اليوم ، إذ تعذر إجراء عملية جراحية لتدهور صحته ، ولكن الخروج من صالحة تلزمه ترتيبات ، خاصة بعد مذبحة صالحة التي راح ضحيتها أعدادا كبيرة من الشباب كانو في طريقهم الي الخروج من صالحة .

 

قرية “العامرة” الواقعة غرب صالحة هي النقطة التي تبدأ منها رحلة النزوح من صالحة الي شمال أمدرمان ،  وفيها تنتهي قصص وحكاوي النهب الأخيرة من المليشيا التي رابطت هناك لتسلب المواطنين اموالهم و هواتفهم وأشيائهم في لحظاتهم الأخيرة  ، وبعد قرية العامرة تقع قرية “أم باروكة” ثم “الكوع”  وهي المنطقة الآمنة التي لا تستطيع المليشيا الوصول إليها خوفا من تواجد الجيش بها ، غير ان رصاص قناصة الجيش كان مسموعا في أجواء العامرة وهو يحاول صيد أفراد المليشيا ، وسط هذه الأجواء خرجت أسرة “السني” من صالحة قبل دخول الجيش بأربعة أيام بواسطة عربة يقودها أفراد من مليشيا الدعم السريع مدججين بأسلحتهم صوب العامرة بمقابل مادي، وهو ما درجت على فعله المليشيا ، إخراج مواطنين بمقابل مادي لتجنيبهم عمليات النهب ، العامرة هي محطة المسلحين الأخيرة ، ومن هناك تبدأ عملية البحث عن وسيلة أخرى لإكمال النزوح الي شمال أمدرمان .

 

يقول السني عثرنا على عربتين كارو ( وسيلة بدائية تجرها الدواب) ، وقبل أن نرفع الأمتعة ظهرت دراجة نارية يمتطيها ثلاثة مسلحون ملثمون ، وهنا بدأت لحظات الرعب الحقيقية ، أسرتي مكونة من والدي المصاب في رجله، وعمي المصاب في صدره  ، ووالدتي وشقيقتي التي تنتظر مولودا، بجانب ثلاثة أطفال أشقائي ، وإمرأة مسنة وشابين من الجيران ، كيف نواجه هذا الموقف ؟ تسائل السني ، الذي تابع حديثه  : حينها كان رصاص قناصة الجيش فوق رؤوسنا نسمع صوته بوضوح وهو يمر ، يستهدف المسلحين الملثمين ، عرفت حينها نحن في مرمى نظر الجيش وهو يحاول قنص هؤلاء المسلحين و يتحاشي إصابتنا .

 

أمر المسلحون القافلة بالرجوع ، وتم إدخال أفرادها عدا المصابين والنساء أحد منازل العامرة الخالية ، والذي تم فتحه بالرصاص ،  وبعد عملية ارهاب لأفراد القافلة الصغيرة أخذت الهواتف والأموال وبدأ البحث عن الذهب ، تم تهديد النساء ، حتى المسنة لم تسلم منه ولم تسلم من النهب ، أخذ ما معها من أموال وأصبحت القافلة بلا نقود تعينها في مسيرتها ، لحظات وصفها السني بالكابوس ، هؤلاء الناس لا توجد ذرة رحمة في قلوبهم ، رغم الظروف التي يعيشها أفراد القافلة لم يرق لهم قلب ، تعاملو بفظاظة متناهية ، يؤكد السني انه شاهدهم يبلعون أقراصاً مخدرة أدرك حينها انهم تحت رحمة أشخاص مغيبين عن الوعي ، رغم بكاء النساء و الهلع الذي تمكن من الأطفال ،  أخذو الأموال والهواتف واتجهوا الي بيت آخر كانت تختبئ فيه مجموعة نساء في طريقهن الي الخروج من العامرة ، دلهم عليه ذات الشاب الذي خبأهم ، وكان يلوح لهم بيديه وهو يعتلي أعلى البيت ، أطلقوا رصاص في الهواء إمعاناً في بث الرعب وتحسبا لأي مقاومة محتملة ، ذلك الشاب تدل ملامحه أنه من أهل المنطقة ، ولكنها الخيانة كما كما ذكر السني .

 

إنبري قائد العربة الأولى ( محمد) قائلا  : رأينا وعشنا ما حصل لكم ونحن على إستعداد لايصالكم وجهتكم وهناك لن نختلف معكم ، وبعد مغيب الشمس بدأت المسيرة غربا والكل يتطلع الي الإبتعاد عن الخطر كما ذكر السني ، دخلت القافلة أم باروكة ثم الكوع وكلها قري تقع في الجزء الجنوبي الغربي لامدرمان ، تزودت بالماء من احد البيوت المتناثرة في تلك المنطقة ، وتعمقت في الاتجاه الغربي ثم توقفت لتناول وجبة عشاء خفيفة مكونة من مكرونة و شعيرية تم إعدادها بواسطة قائدا القافلة بسرعة مدهشة في إناء واحد لا يملكون غيره يتم إستخدامه أيضا لسقي الدواب .

 

 

في جنح الظلام سارت القافلة وتوغلت في الغرب الأمدرماني ، يقول السني  : سرنا حتى ظننت اننا وصلنا ولاية شمال كردفان ، وعند منتصف الليل بدأ الاتجاه يتغير شيئا فشيئا الي ناحية الشمال وعندها كان القمر قد سطع وصارت الرؤية أوضح لمحيط الطريق الذي يعرفه قائدا القافلة جيدا ، محمد و بابكر،

وعبر السني بصوت خافت عن وحشة الطريق في أقصى غرب أمدرمان المتجه نحو الشمال، وأبدي حزنا عميقا لحالة اهل بيته وهم يواجهون أهوالا لا قبل لهم بها ، لافتا الي الخوف الذي سيطر عليهم والذي مثل دافعا له لإشاعة بعض الطمأنينة بمساعدة احد شباب القافلة ، فالذي حدث بالعامرة لن ينسي ، أيضا كانت التطمينات التي يطلقها محمد و بابكر بين الفينة والأخري لها مفعولها  : انتم في أمان الآن .

 

سارت القافلة طيلة ليلة الخميس الأخير قبل دخول الجيش الي صالحة وعند الرابعة صباح الجمعة بدأ الاتجاه يتغير نحو الشرق ولاح ضوء بعيد  ، أدرك السني انهم على مشارف شمال أمدرمان ولكن التعب نال منهم ، ومن الدواب ، فترجلو وإفترشوا الأرض وناموا ساعتين وعند بزوغ الشمس تحركت القافلة بالاتجاه الشرقي بعد أن تناولت شاي الصباح من ذات الإناء (المشترك) ما بين انسان وحيوان أجبرتهم ظروف الحرب التشارك في أدوات البقاء على قيد الحياة ، حكي السني عن طول الطريق ووحشته وتنوع بيئته : تارة مررنا بمزارع مظلمة وخضرة ، وتارة بصحراء قاحلة ، ننزل لنساعد الدواب في تجاوز الرمال ، وتارة بطبيعة لا أدري كيف أوصفها .

 

أترون ذلك المبنى البعيد ، هذه نقطة الوصول ، هكذا قال بابكر بعد أن تغير الاتجاه نحو الجنوب الشرقي ، نهضت المسنة من نومها الذي لازمها طيلة فترة النزوح و تسائلت بصوت عال  وين ؟ وين ؟ وإنهمرت الدموع من عينيها و سرت موجة من الفرح عمت أفراد القافلة ،     الشعور بالأمان إحساس لم يذق أهل صالحة له طعم منذ إندلاع الحرب ، سنتان و المليشيا منتشرة في كل أرجائها ، نهب وقتل وترويع ، وأخيرا لاح أمل جديد ، وعند الواحدة ظهرا ، يقول السني دخلنا (حلة موسى) الواقعة أقصى شمال غرب أمدرمان ،  شاهدنا تاكسي الخرطوم الأصفر بعد سنتين ، وعربات يقودها مواطنون عاديون ، لا ملثمون ، لا كدمولات ، شاهدنا طريق شريان الشمال والحافلات السفرية ، شاهدنا الناس يؤدون صلاة الجمعة في ساحة عامة ، بدت لنا هذه المشاهد غريبة ، ٢٢ ساعة قضيناها من أقصى جنوب أمدرمان لأقصي شمالها سيرا بعربات الكارو .

 

ها هو دكان بلة الذي سمعنا عنه ، حيث يجري النازحون من صالحة مكالماتهم مع ذويهم (أدركونا ، نحن وصلنا شمال أمدرمان ونهب كل ما معنا) ، كان محمد  و بابكر قائدا القافلة يعرفان كل شئ ، ولهذا لم يبديا قلقا تجاه أجرهم ، (دكان بلة) هو الحل .

 

توفي أبي أثناء العملية ، بعد ثلاثة أيام من دخولنا منطقة الثورة ، فقد تقرر إجراء العملية لابي في إحدى المستشفيات ونتيجة لنزيف حاد أثنائها توفي ، أما عمي رفض الأطباء إجراء عمليته وإخراج الرصاصة من صدره لتدهور صحته وإفتقاد جسده المناعة المطلوبة ، وما زالت الرصاصة في شهرها السادس في جوف صدره ، بهذه الكلمات المؤثرة ختم السني حديثه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى