رأي

بشارة جمعة أرور.. يكتب: زحمة مشروعات التغيير المتعارضة .. لا تُسربِلوا الناس برداء العنصرية النتِنة المُنتِنة 

 

بشارة جمعة أرور.. يكتب: زحمة مشروعات التغيير المتعارضة .. لا تُسربِلوا الناس برداء العنصرية النتِنة المُنتِنة

 

الحوار أساس تجاوز الأزمات وتحقيق التوافق، إذا أُريد للبلاد أن تبلغ سلاماً حقيقياً، وإستقراراً سياسياً مستداماً، وأن تخرج من الحلقة المفرغة التي دارت فيها عقوداً، فلا مناص من تجاوز الأوهام التي غدت عند بعض القوى بديلاً عن التفكير الاستراتيجي وستاراً للمناورة، بدل معالجة جذور الأزمة.

المعضلة اليوم لا تكمن في غياب مشروعات التغيير والإصلاح والتحول الديمقراطي، بل في ازدحامها وتكدسها وتصادمها في بحرٍ متلاطم من المناورات والمماطلات حيث لا يهدأ رحم المناورة والتكتيك السياسي العقيم إلا ليغرق سريعاً في موجة جديدة من الحيل…

إن زحمة هذه المشروعات لا تلتقي على تعريفٍ واحدٍ للدولة، ولا على تصورٍ جامعٍ للوطن والمواطنة، ولا على أفقٍ وطني متفق عليه لكنها، على اختلاف شعاراتها، تتقاطع عند نقطةٍ واحدة؛ إدامة الأزمة وإعادة إنتاجها عند كل منعطف سياسي.

بعد هذا، نتيمم شطر النصائح التي نسديها، لا من باب الوصاية، ولا ادعاء امتلاك الحقيقة…، وإنما من باب المسؤولية الوطنية، ومن منطلق أن السياسة، حينما تنفصل عن الواقع، تتحول إلى عبء على الأوطان.

السجال الدائر اليوم، في كثير من حالاته، ليس إلا محض رص للألفاظ (طق الحنك)، وخطاب يتكئ على الإثارة والانفعالات أكثر مما يستند إلى الحجة والمنطق السديد، حتى صارت مفاهيم كبرى كالدولة، والعدالة، والتحول الديمقراطي مجرد ألفاظ تائهة في الهواء، ما لها من أرض الحقيقة من قرار…

ومن هنا، يصبح لزاماً على الحكومة وقيادة الدولة، والنخب السياسية والقيادات الفكرية والنشطاء أن تُسدي النصيحة إلى أنفسهم أولاً قبل الآخرين، وأن يتقبلوا الحقائق المرة، متجرعين مرارات النقد بروح التصحيح والمسؤولية لا بروح جلد الذات…

لأن المطلوب هو الانتقال من إدارة الصراع بمنطق الذاكرة الجريحة إلى قدرات العقل السياسي الناضج، الذي يدرك أن الأمم والشعوب لا تُبنى بالاستدعاء الدائم للمظلومية، بل بتحويل الألم التاريخي إلى سياسات عدالة انتقالية رصينة، تحكمها القوانين والمؤسسات لكي تؤسس لاستقرار دائم.

 

كما أن تجاوز الأزمة السودانية يقتضي الكف عن اختزالها في مقاربات هوياتية مبسطة، والاعتراف بأن جوهرها الحقيقي هو أزمة دولة وسلطة وحكم رشيد، لا صراعَ أعراقٍ ولا إثنيات ولا ثقافات، مهما حاول الخطاب الشعبوي تزييف الواقع وتسويقه.

ويظل الفصل المنهجي بين تفكيك بنية الاستعلاء التاريخي، وهو مطلب مشروع وأخلاقي بين شيطنة جماعية لمكونات اجتماعية كاملة وضرورة سياسية لا غنى عنها؛ لأن العدالة الانتقالية، إن اختُزلت أو جرى تسييسها، تحولت من مسار للاستقرار إلى عامل اضطراب دائم. كما أن احتكار تمثيل الضحايا، أو الادعاء بالحديث باسمهم، ليس سوى شكل آخر من أشكال التضليل والاستبداد الرمزي، لا يقل خطراً عن الاستبداد السياسي المباشر، لأنه يُصادر الألم ويُحوله إلى أداة ورافعة في صراع السلطة والثروة، وعليه فإن الانتقال من خطاب إسقاط الأنظمة إلى مشروع بناء الدولة أصبح ضرورة وطنية ملحّة في هذه المرحلة التاريخية؛ فإسقاط السلطة لحظة انفعالية، أما بناء الدولة فهو مسار شاق ومعقد يتطلب رؤية واضحة وصبرًا متواصلاً، ومؤسسات فاعلة، وكذلك نخب واعية تتحمل كلفة القرار لا نشوة الهتاف…، ولا يستقيم هذا المسار دون اتفاق مسبق على قواعد اللعبة السياسية خلال المرحلة الانتقالية، حتى لا يتحول الانتقال نفسه إلى ساحة صراع مفتوح على السلطة بلا ضوابط ولا مرجعيات، وبلا أفق وطني جامع.

أخطر ما في هذا المشهد، ذلك الميل المقلق إلى تسربل الناس برداء العنصرية النتنة المنتنة، وإلباسهم هويات قسرية، وكأن الوطنية صك يُمنح ويُسحب، لا رابطة جامعة تتسع للجميع. فيا أيها الذين تسببتم في إذكاء نيران الفتنة الجهلاء، وإشعال فتيل الحرب اللعينة، اعلموا أن أفعالكم لا تهدر الوقت وحده، بل تمهد الطريق لدمار شامل، فاحذروا أن تُسربلوا الناس برداءٍ منسوج من خيوط العنصرية والعصبية البغيضة، إذ إن مثل هذا المسلك لا يفضي إلى تغيير حقيقي ولا إلى عدالة منشودة، بل يمهّد للانقسام، ويعجل بتفتيت السودان سياسياً واجتماعياً، ويهدد كيان الوطن ووحدته.

 

معلوم أن العفو أقوم، وأن التسامح قيمة رفيعة في بناء الأمم والشعوب، غير أن العفو لا يكون عفواً حقيقياً إذا صاحبته مظنة انكسار وذلة أو إذا طلب من الضحية أن تتجاوز بينما لم تُمس جذور الظلم، ولم تُسترد الحقوق، ولم يُسم الفعل باسمه…، فالعدالة هي شرط المصالحة، لا نقيضها، وأي محاولة للقفز فوق هذا المبدأ ليست إلا تأجيلاً للصراع، لا حلاً له.

غير أن كثيراً من الممارسة السياسية في السودان لا تزال أسيرة عقد ومرارات، شوهت تفكير قطاعات من القيادات السياسية، فانعكس ذلك خلال هذه الحرب اللعينة في أشكال خطابات مرتبكة، وسلوك انتقامي، ومشروعات تغيير محمولة على غضب غير مهذب بالعقل والمنطق السياسي الرشيد…، فإن هذه العقد، إذا لم تُفكك بوعي ومسؤولية، تتحول تلقائياً إلى شعارات منفعلة، وألفاظ نابية تغذي خطاب الكراهية والبغضاء، وتزرع بذور العداوة والفجور في الخصومة.

 

والثابت الذي لا يقبل الجدل، أن أزمات السودان قد تفاقمت بفعل هذه العقد والسلوكيات السياسية القبيحة، التي أسهمت في تعقيد النزاعات، وتضخيم الانقسامات، وتعطيل أي إمكانية لإرساء حلول وطنية رشيدة…، وتفاقمت الأمور أكثر حين احتكرت فئات متحكمة الشأن السلطوي دون سواها، فأقصت قوى، وهمشت مجتمعات، فكانت الغضبة المُضرّية نتيجة طبيعية لتراكم الظلم، غير أن معالجة هذا الواقع لا تكون باستبدال احتكار باحتكار، ولا بإقصاء مضاد، ولا بإعادة تدوير الاستعلاء تحت لافتات جديدة أكثر بريقاً…

 

إن مشروعات التغيير التي تُبنى على منطق “نحن” في مواجهة “هم”، أو تختزل الصراع في ثنائيات تبسيطية، إنما تؤسس لصراع مؤجل، وإن رفعت شعارات العدالة والمساواة، والحرية والسلام.

فالعدالة لا تقوم على التعميم، ولا تُبنى على تحميل جماعات بأكملها أوزار التاريخ، وإنما على مساءلة فردية، وقانون عادل، ومؤسسات مستقلة، وذاكرة وطنية منصفة لا انتقائية.

ولنقل بوضوح لا لبس فيه: إن السودان لا يحتاج إلى تغيير يُبدل الوجوه ويُبقي المنهج، ولا إلى ثورة شعارات بلا مشروع دولة، ولا إلى خطاب يُغذي الغضب دون أن يُنتج رؤية حقيقية للتغيير والتحول.

إن ما يحتاجه السودان اليوم، كدولة بعمقها الحضاري وثرائها الإنساني، وبما تملكه من إمكانات وموارد وموقع جغرافي وتاريخ، هو مشروع تغيير وطني شامل، يعترف بالتنوع لا ليستثمره سياسياً، بل ليحوله إلى مصدر قوة وفخر واعتزاز، ويُقر بالمظالم دون أن يجعلها وقوداً للكراهية، ويؤسس للحقوق على قاعدة المواطنة المتساوية، وسيادة حكم القانون في ظل توازن سليم للسلطة.

وما يواجه السودان اليوم ليس اختلاف مشروعات التغيير، بل انزلاقها من سؤال الدولة إلى مستنقع الهوية، ومن منطق السياسة إلى غريزة الإقصاء…، فالدول لا تنهار بسبب اختلاف نخبها، بل بسبب عجزها عن إدارة الاختلاف بعقلية رجال الدولة، فتستعيض عن القانون بالعنف، والمواطنة بالتصنيفات الضيقة المعيبة، حتى العدالة نفسها قد تتحول إلى ثأر مُقنع، حينما تنفصل عن القانون وتُجرد من المعايير الموضوعية وتُخضع لمنطق الغلبة والانتقام، فتستعمل لتصفية الحسابات لا لإنصاف الضحايا…

فلا تُسربِلوا الناس برداء العنصرية النتِنة المُنتِنة، ولا برداء العصبية العرقية البغيضة، التي تفسد الوعي العام، وتلوث العقول والنفوس، وتغذّي الكراهية وروح الانقسام، وتفتح الأبواب أمام تمزيق المجتمع من الداخل؛ فذلك طريقٌ قصيرٌ يؤدي إلى خراب طويل، والسودان، بتاريخه العريق وعمقه الحضاري وغناه الثقافي وثرائه الإنساني، أكبر من أن يُكبَّل بهويات ضيقة، وأقوى من أن يُدار بمنطق الغلبة، وأحق بأن يُبنى على مشروع وطني جامع لا غالب فيه ولا مغلوب، بل دولة يسودها حكم القانون، وأجدر بأن يُحكم بعقل الدولة وروح المواطنة وتستقيم فيها العدالة وتتوازن فيها السلطة، ويشعر فيها الجميع دون استثناء بالولاء والانتماء، فالوطن يتسع لهم لا يُقصيهم.

ومن يفكر بأن الحماية تأتي بالانقسام أو بالهيمنة، فلينظر إلى التاريخ: السودان لا ينجو من مستنقع العنصرية إلا بالوحدة الواعية، والحقوق المضمونة، والسياسات المحكمة، والالتزام بمشروع الدولة، لا بالانفعالات أو الشعارات الرنانة.

 

إن سقط السودان في هذا المستنقع، فلن ينجو منه أحد، مهما ظنّ اليوم أنه في مأمن…

والتاريخ لا يرحم من تجاهل دروس أزماته وكوارثه، ولن يكرر فرصة لمن أهدر الدروس الأولى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى