بروفسور حسن موسى يوسف يكتب شجاع جداً.. أو أحمق جداً تأملات في بناء الدولة الوطنية بين تجربة بتسوانا وارث السودان

شجاع جداً.. أو أحمق جداً؛ ليس مجرد عنوان لافت، بل رمزية للكتاب التاريخي الشهير الذي ألّفه الرئيس الثاني لدولة بتسوانا، الراحل سير كيتوميلي ماسيري (Ketumile Masire). يوثق هذا السفر التأسيسي نشأة دولة بتسوانا، ومسار تجربته الشخصية ودوره الفاعل في إرساء قواعد “الديمقراطية الإفريقية” وتطوير أبعادها المجتمعية والتنموية.
ولإثراء هذا النص التأسيسي ومقاربة حمولته المعرفية، تجد في مشاركته واختباره مع زمرة من الأصدقاء والزملاء من الاقتصادين والسياسيين والإعلاميين في السودان فوائد جَمّة؛ إذ تكابد الدولة حاليا سؤال الوجود، وتستمر في مواجهة أطماع الاستعمار بأشكاله القديمة والحديثة.
نالت بتسوانا استقلالها في عام 1966، أي بعد عقد كامل من استقلال السودان عام 1956. غير أن الظروف التي قادت للاستقلال عن المستعمر البريطاني، ومسارات التنمية والاستقرار والسلام التي تلت تلك المرحلة، اختلفت تماماً بين البلدين؛ وذلك على الرغم من أوجه التشابه القبلي والمجتمعي والجغرافي والإنساني الواسع بينهما.
وخلال فترة عملي مستشاراً في مجالات السكان والتنمية ببتسوانا (الممتدة من عام 1994 وحتى 1998)، تشكّلت لديّ رؤية عميقة وصادقة مفادها أن السودان يُعدّ بامتياز مواطن “الديمقراطية الإفريقية” الاصيلة؛ غير أن الاستعمار فرض عليه قسراً نموذجاً للتوجه نحو “الديمقراطية الغربية”، في سعي يرهق الأكباد من خلفه، ويستحيل بلوغه دون استيعاب الخصوصية الوطنية.
اعتمد إعداد كتاب ماسيري على رسم كاريكاتيري مكثّف يصور بتسوانا في هيئة طفل صغير يجلس على الأرض، تحيط به الأسود والوحوش والحيوانات المفترسة من كل جانب. كانت تلك الرمزية تجسيداً حياً لدول الجوار الشرسة في ذلك الزمان؛ حيث روديسيا الشمالية (زامبيا)، وروديسيا الجنوبية (زيمبابوي)، وجنوب إفريقيا العنصرية التي كانت تتحكم بزمام الأمور وتخضع ناميبيا لسلطتها.
لا شك أن حياة طفل محاط بالإعداء من كل اتجاه، ولا يملك مقومات الحياة في أرضه، هي حياة معرضة لكافة أنواع المخاطر والأقدار. وفي ظل هذه الظروف السحيقة، خرج المستعمر البريطاني تاركاً أطفال بتسوانا يواجهون مصيرهم بأيديهم. ومن رحم هذه الهواجس المخيفة، ومع الاعتماد الحاسم على الذات والثروة الحيوانية، واكتشاف الموارد الثمينة مثل الماس، انطلقت مسيرة الديمقراطية الإفريقية في بتسوانا نحو التنمية والاستقرار ابتداءً من لحظة الاستقلال عام 1966.
في المقابل، وقبل استقلال بتسوانا بعقد من الزمان، تمكن الحراك السياسي وأنشطة الحركة الوطنية المكثفة من دحر المستعمر وإخراجه من السودان. كان خروجاً مذلاً للمستعمر ومظفراً ومبهجاً للشعب الذي تغنّى بالحرية، دون أن يدرك تماماً أن المحتل قد حمل معه كافة البيانات والمعلومات المهمة المتعلقة بمصادر الثروة وبنى التنمية، بينما ترك خلفه الغاماً موقوتة تضم جميع عوامل التفرقة السياسية والشقاق القبلي والجهوي.
وخلافاً لما حدث في بتسوانا، خرج المستعمر من السودان قسراً دون أن تنقطع أطماعه في ثرواته وموارده قط. بل إنه استخدم كافة قدراته السياسية ووسائله المادية لعرقلة تحقيق “الديمقراطية الإفريقية” والوحدة الوطنية التي تشكل الدعامة الأساسية لبناء الدولة.
لم يشأ المستعمر أن يخرج ويترك السودان وشأنه، وهو على علم تام بأن الديمقراطية النابعة من التضامن الإفريقي قد تجسدت بوضوح عندما التفّ الشعب حول الثورة المهدية لإخراج المستعمر التركي-المصري، وكما تجسدت لاحقاً في الإجماع الوطني الشامل الذي أخرج المستعمر البريطاني.
إن المقارنة بين بتسوانا والسودان تعيدنا إلى السؤال التأسيسي: هل كانت شجاعة بتسوانا في مواجهة قفر الطبيعة وعزلة الجغرافيا نوعاً من الجسارة أم الريادة؟ وهل كان استقلال السودان حماقه استغلها المستعمر في الخروج بالقطار والرجوع بالطائرات المسيرة؟ إن تجربة بتسوانا تثبت أن الإرادة الوطنية الخالصة والمؤسسات الراسخة قادرة على تحويل أقسى الظروف إلى قصة نجاح، بينما تظل تجربة السودان تتطلب وقفة مراجعة شجاعة لتفكيك تركة الشقاق الاستعماري، واستعادة روح الإجماع الوطني التاريخي لبناء دولة المواطنة والتنمية والاستقرار بالاعتماد على الموارد الذاتية.








