رأي

الروائي أنس الزيدي يكتب : “رائحة الزيتون: حكاية الكنز المفقود”

الروائي أنس الزيدي يكتب :

“رائحة الزيتون: حكاية الكنز المفقود”

 

في زمان قد مضى، وفي إحدى القرى، كان هناك رجل مسن صاحب بستان يحبُّه كثيرًا ويعتني به جيدًا مع أبنائه الثلاثة وزوجته. في ذلك البستان، كانت الحياة بسيطة، حيث كانت الأشجار تظلل الأرض، والطيور تغرد في الصباح الباكر. ورغم صعوبة الحياة، كان الرجل يعيش في سلام داخلي، يقضي وقته بين أشجار الزيتون والفواكه الأخرى، يزرع بذور الأمل في كل شجرة، كما كان يفعل مع أبنائه.

 

وفي يوم من الأيام، أصيب الرجل المسن بمرض شديد. ورغم تلقيه العلاج في البداية، إلا أن حالته ازدادت سوءًا، ومضت الأيام ببطء حتى فارق الحياة دون أن يتمكن من النطق أو الحديث مع أبنائه. لكن بالرغم من وفاته، بقيت ذكرى البستان راسخة في عقولهم وقلوبهم، كأنه جزء من روحهم.

 

مرت الأيام، وأصبحت العائلة حزينة ولكنها لم تتراجع عن الاعتناء بالبستان. كان البستان بمثابة الوصلة الوحيدة التي تربطهم بوالدهم. وفي إحدى الليالي، وأثناء نوم الأخ الأصغر، رأى في منامه والده، الذي كان دائمًا يتحلى بالحكمة والرحمة، يقول له:

 

“يا بني، اذهب إلى جانب شجرة الزيتون الكبيرة واحفر في جانبها، ستجد كنزًا. خذ ربع الكنز وتصدق به على الفقراء والمحتاجين، والباقي قسمه بينك وبين إخوتك وأقرب الناس إلينا.”

 

استفاق الشاب مفزوعًا، وسارعت أفكاره إلى الحلم الذي رآه. كان يردد كلمات والده في قلبه، حتى خلال تناوله وجبة الإفطار في صباح اليوم التالي. روى ما رآه لأسرته، لكن رد فعل إخوتِه كان باردًا، حيث قالوا له:

 

“لا تشغل فكرك بما رأيت، إنه مجرد حلم.”

 

أما والدته، فقد قالت بصوت ملؤه الحزن والاشتياق:

 

“لو كان والدك حيًا، لما تخلى عن شجرة الزيتون هذه، فهي جزء منه، وهي ذكرى غالية من أيامه. لا تغتر بحلم.”

 

مع ذلك، اقتنع الأخ الأصغر بكلام والدته، ولكنه لم يستطع أن يتجاهل ما رآه في حلمه. بعد أسبوع من الحلم الأول، عاد والده يظهر له في المنام، قائلاً:

 

“يا بني، اذهب واحفر بجانب الشجرة، ستجد كنزًا. خذ ربع الكنز وتصدق به على الفقراء والمحتاجين، والباقي قسمه بينك وبين إخوتك وأقرب الناس إلينا.”

 

مرّ الأخ الأصغر من جديد بحالة من الفزع، وقرر أنه لن يستطيع تجاهل هذه الرؤية بعد الآن. في الصباح، لم يخبر أحدًا، بل استجمع معدات الحفر، وقرر الذهاب إلى البستان. خلال طريقه، صادفته جدته، التي كانت دائمًا تحمل الحكمة في حديثها. فقالت له:

 

“يا بني، إلى أين أنت ذاهب في هذا الصباح الباكر؟”

 

أجاب الشاب باهتمام وحماسة:

 

“يا جدتي، والدي يزورني في الحلم، ويطلب مني أن أحفر تحت الشجرة.”

 

امتلأت عينا الجدة بالدموع، وقالت بصوت حزين:

 

“يا بني، هذه مجرد أحلام. لا تشغل بالك بها، فلو كان والدك حيًا لما استبدل تلك الشجرة مهما كانت الظروف. حتى لو كان تحتها كنزٌ لا يُحصى، لكان أخرجها وهو حي.”

 

وبالرغم من ذلك، قرر الشاب المضي في طريقه، وظل يعمل في البستان كما كان يفعل سابقًا. وفي أحد الأيام الحارة، أصابه تعب شديد، فجلس تحت الشجرة ليستظل بظلها. من شدة التعب، غلب عليه النوم، وفي تلك اللحظة، رأى حلمًا آخر، وكانت هذه المرة شجرة الزيتون تحمل ثمارًا غزيرة. الزيتون كان كبيرًا، لامعًا، والأغصان تكاد تنكسر من ثقل الثمر. كانت الرؤية في غاية الجمال والروعة.

 

استفاق الشاب مفزعًا، وكأنه شعر أن ذلك الحلم يحمل رسالة أقوى من قبل. فكّر في ما رأى، وأصبح أكثر عزيمة على اكتشاف الحقيقة. قرر أن يستعين بشيخٍ مفسرٍ للأحلام، فأخذ يروي له ما رآه. فأجابه الشيخ بحكمة كبيرة:

 

“يا بني، تحت تلك الشجرة يوجد كنز. لو كان والدك يعلم بوجوده لكان أخرجه وهو حي، لكن هو الآن يريدك أن تتبع ما طلبه منك. افعل ما قاله لك، فالوصول إلى الكنز ليس بالصعوبة التي تتصورها.”

 

عاد الشاب إلى بيته وقد شعر بطمأنينة أكبر. كان يملؤه الأمل والرغبة في اكتشاف الحقيقة. في اليوم التالي، استيقظ باكرًا وهو يحمل معدات الحفر، متوجهًا نحو البستان. وعندما بدأ بالحفر، شعر بشيء غريب يسري في قلبه، فكلما قطع جذرًا للشجرة، كانت الدموع تنهمر من عينيه، وكأن الحفر لم يكن فقط لاكتشاف الكنز، بل أيضًا لاكتشاف نفسه.

 

بعد مدة طويلة من الحفر، ظهرت له جرة فخارية. حفَّر حولها حتى أخرجها، ثم قام بتنظيف التراب عنها. وعندما فتح الغطاء، كانت القطع الذهبية اللامعة في داخلها تشعُّ أمام عينيه، وكأنها تثبت له أن حلمه كان حقًا.

 

خُلع قميصه بسرعة، وخبأ الذهب بداخله، ثم ركض إلى بيته ليشارك عائلته اكتشافه. وعندما وصل إلى المنزل، صاح بأعلى صوته:

 

“إخوتي! أمي!”

 

اجتمعوا حوله في لحظة مندهشة، وقالوا له:

 

“ماذا حدث؟ ماذا وجدت؟”

 

قال لهم وهو يرفع الذهب بيديه:

 

“لقد تحقق حلم والدكم، وهذه هي القطع الذهبية التي أخبرني عنها.”

 

لكن الأم، التي طالما كانت حكيمة وصبورة، قالت:

 

“يا أبنائي، لا تغتروا بالمال. هذا المال ليس من نصيب والدكم. لو كان له حق فيه لكان قد أخذه وهو حي. تذكروا وصيته جيدًا، وأن تتصدقوا بجزء منه للفقراء والمحتاجين. وأرجوكم، لا تتركوا هذا المال يتسبب في تفرقتكم. كونوا يدًا واحدة، وتذكروا دومًا أن المحبة والخير للآخرين هو أعظم كنز.”

أستمر في النهوض كلما تعثرت

ولا تكترث لتقاعص المتكلين في نصرة المظلوم

أستمر في مشروعك ولا تلتفت لكلام المخذلين

أستمر في تقديم المساعدة وكن عبد الله القوي ولا تكن الضعيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى