عبد اللطيف السيدح يكتب: جامعة جدة تتوهج عرفانا في ليلة الوفاء

عبد اللطيف السيدح يكتب:
جامعة جدة تتوهج عرفانا في ليلة الوفاء
في ليلة نحت ونقش الذكريات في القلوب تشهد قاعة مؤتمرات جامعة جدة بالفيصلية مساء اليوم نثر الورود وأكاليل المحبة على الجباه العالية لرجال شم الأنوف من أسرة الجامعة وذلك وفاءً وتقديرًا لما قدموه للسودان وأبنائه
ففي هذا العام احتضنت قاعات الجامعة الطلاب والطالبات الذين دفعتهم ظروف الحرب للمجيء إلى مملكة الإنسانية وفتحت لهم الجامعة صدرها قبل قاعاتها ليجلسوا لامتحانات الشهادة السودانية ومرحلتي الثانوي والمتوسط
وقد كان مشهد دخول وخروج طلاب وطالبات السودان من أروقة الجامعة لوحةً من الامتنان، اختلط فيها العرفان بوقار المؤسسات التي تعرف قيمة الإنسان وهكذا ستلتقي اليوم معاني العزة بالوفاء، والشموخ بالشكر، تقديراًللجامعة
ومنسوبيها ولموقفها الإنساني النبيل تجاه الطلاب والطالبات السودانيين الذين حملتهم الحرب قسراً من ديارهم، فوجدوا في المملكة وفي جامعة جدة صدراً رحباً وبيتاً ثانياً
وبمداد يقطر محبة، وبقلبٍ يفيض اعتزازاً، نشير إلى واحدة من أبهى المواقف الإنسانية التي خلدتها الأيام في سجلات الوفاء والعطاء. ونكتب بكل فخر وعزة عن جامعة جدة، هذه المؤسسة الأكاديمية التي لم تكن يوماً مجرد مبانٍ صماء وقاعات مكيفة، بل كانت روحاً نابضة بالإنسانية، وبيتاً يحتضن كل قادم يستظل بظلالها، ويبحث عن العلم وسط أروقتها. ونكتب عن أمسية الوفاء التي ستتبادل فيها أسرة القنصلية العامة وأبناء وبنات السودان مع هذا الصرحَ الجامعيَّ الشامخَ حباً بحب، ووفاءً بوفاء
ونكتب لأنه حين عصفت الحرب بأبناء السودان،وتبددت الأحلام وتقطعت السبل وتمزقت أوصال المدن والقرى، فخرج آلاف الطلاب والطالبات مع أسرهم باحثين عن فرص
لإكمال مشوار التعليم ، وعن مكان يأوي أحلامهم التي رفضت أن تهجَّر مثلما هجِّرت أجسادهم؛ حتى وصلوا أرض الحرمين، ووجدوا أنفسهم أمام حاجة ملحّة لتهيئة مقارّ للامتحانات لكل المراحل (الشهادة السودانية، والثانوي، والمتوسط). فما كان من الأسر إلا الاتجاه صوب ملاذها الطبيعي، قنصليتها، وبيتها الذي لا يغلق أبوابه في وجه أحد من أبنائه. وتلقى القنصل العام الدكتور كمال علي عثمان طه ونوابه ومستشاريه النداء، فكانوا كعادتهم رجال المهمات الصعبة، وصوت الدبلوماسية الإنسانية، التي تضع الإنسان قبل الإجراء، والمصلحة العامة قبل التقيد الحرفي بالروتين
ورغم صعوبة المهمة،و الوقت يضيق، وطلاب الشهادة السودانية على أعتاب الامتحانات، فكان البحث عن مؤسسة تمتلك القدرة، والرغبة في العطاء. وهنا جاءت جامعة جدة هدية كرد على نداء رباني على دعاء المكروبين، وما إن رنت الهواتف، ووصل الطلب، وشرح القنصل ومساعدوه لإدارة الجامعة حاجة أبناء السودان لمأوى يحفظ أحلامهم ويحقق أمانيهم، حتى جاء الرد من إدارة الجامعة أسرع من لحظة تفكير
أبناؤكم أبناؤناو وبيتنا بيتهم
لأن الأمر لم يكن مجرد سماح باستخدام قاعاتٍ، بل كان مشروع احتضان إنساني شامل، حشدت له الجامعة إدارتها، وطواقمها وإمكانياتها التقنية، وأفراد أمنها وخدماتها. لقد بدت الجامعة في تلك الأيام كخلية نحل لا تعرف التثاؤب، تعمل بروح واحدة، وهدف واحد هو أن يؤدي هؤلاء الطلاب امتحاناتهم في أجواء لائقة، تليق مستقبلهم وباسم السودان ولم تكن الاستجابة كاملة فقط بل فورية، بلا تردد، بلا اشتراطات، بلا أسئلة معرقلة. وهو ما يعكس عمق العلاقة بين الشعبين، ورسوخ قيم المملكة تجاه كل مستجير يطرق بابها
وفي صباح أول يوم للامتحانات، امتلأت ممرات الجامعة بوجوه الطلاب السودانيين، حاملين أوراقهم
وأحلامهم، وتاريخ بلدهم المثقل الجريح، لكن عيونهم كانت تحمل شيئاً آخر: طمأنينة، وكانت أمهاتهم يقفن خارج القاعات بقلوب تخفق دعاءً، وكان مشهد الأبناء داخل قاعات جامعة جدة عبارة عن لوحة مطمئنة تُقرأ فيها آية من سورة الانفراج
فإن مع العسر يسراً
وكانت الطواقم الإدارية السعودية تتعامل مع الطلاب كأنهم أبناء لهم. وكانت الجامعة تفتح قاعاتها مبكراً قبل الوقت، وتوفر الأجهزة، والرقابة
والخدمات اللوجستية بأعلى درجات الدقة والتنظيم, وفي المساء، كان أولياء الأمور لا يملّون من ترديد عبارة واحدة
جزى الله جامعة جدة خير الجزاء
وحين ظهرت نتائج المراحل الثلاث جاءت مجرتقة بالشرف و معممة بالنجاح الباهر وكم شنف الذين تلوا أسماء الناجحين عبر الأثير أسماعنا بجملة (قنصلية جدة) بعد ذكر اسم طالب أو طالبة، ولم يكن ذلك غريباً؛ فالنجاح يولد عادةً في بيئةصحية مستقرة، مطمئنة
لقد جلس أبناؤنا وبناتنا للامتحانات هنا في جدة، ولكن روح السودان كانت معهم، وجامعة جدة أحاطتهم بعنايةٍ جعلت تركيزهم أعلى، وتوترهم أقل
وقد حملت القنصلية مشاعر الامتنان هذه، وستترجمها في أمسية اليوم إلى احتفالية تفيض محبة، وسيقول الجميع فيها بصوت واحد يمثل كل سوداني في المنطقة الغربية
شكراً جامعة جدة شكراً مملكة الإنسانية
وإن نسى الناس فإن أهالي وأبناء وبنات السودان العالقين بسبب الحرب لن ينسوا الجهد الكبير للقنصل العام كمال علي، الذي لم يتعامل مع القضية كأي إجراء إداري، بل رسالة إنسانية وأمانة وطنية فتحرك وطاقمه بسرعة، وفاوضوا بحكمة، واختار الجامعة الأنسب، ولم يهدأ لهم بال حتى رأوا الطلاب يسجّلون أسماءهم على أوراق الامتحانات بكل أمان، فلقد كانت أسرة قنصلية جدة مثالاً للدبلوماسية التي تفهم أن الجالية ليست ملفات، بل أرواح، وأحلام، وتطلعات
وفي لحظات كادت فيها الحرب أن تطفئ نور الأمل في قلوب أبنائنا وبناتنا، لاحت لهم تباشير جامعة جدة كنجم السعد لتُشعل لهم قنديلاً جديداً
وفي زمنٍ كانت فيه الطرق إلى الامتحانات مسدودة في جل أنحاء السودان، كانت قاعات جامعة جدة مشرعة دون مقابل، ودون منّ، ودون أذى ودون انتظار لبهرجة إعلامية، لأن مثل هذه الأفعال لا تصنعها اللوائح، بل تصنعها النفوس الكريمة
ومن القنصلية العامة لجمهورية السودان بجدة، ومن كل أسرة سودانية، ومن كل طالب وطالبة جلسوا في قاعاتها، نكتب لجامعة جدة
شكراً لكم أن منحتم أبناءنا فرصة لا تقدَّر بثمن
شكراً لاحتضانكم لأبنائنا في لحظة كان الاحتياج فيها عظيماً
شكراً للإنسانية التي أظهرتموها دون ضجيج إعلامي
شكراً لكم لأنكم لستم جامعة فقط بل وطن ثانٍ
وشكراً لأنكم جعلتم من جدة عنواناً جديداً للخير
*وستظل هذه الوقفة محفورة في ذاكرة كل سوداني، وستبقى جامعة جدة صفحة ناصعة في كتاب الوفاء بين شعبين شقيقين








