رأي

الأستاذ / موسى داؤد يكتب : سيدي الرئيس… بين رجاء الشعب وارتباك اللحظة

الأستاذ / موسى داؤد يكتب : سيدي الرئيس… بين رجاء الشعب وارتباك اللحظة

 

حين جرى تكليفُكم — سيدي رئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس — بتولي قيادة الجهاز التنفيذي للدولة، انفَتَح في قلوبنا كُوَّةُ ضوءٍ ظننّاها بشارةَ خلاص، وارتفع في صدور السودانيين نفسٌ جديد يعيد إليهم شيئاً من اتّزان الدولة وسط رياح الحرب التي تعصف بنا من كل اتجاه. كتبنا يومها بفرحٍ خفيض، ووقفنا خلفكم نرجو لبلادنا طريقاً يُفضي إلى الطمأنينة، ونؤمن بأن المرحلة لا ينهض بأعبائها إلا رجلٌ بخبرتكم ووزنكم وعمقكم الدولي.

 

غير أنّ الأيام — وهي أصدق من النوايا — حملت ما لم نتوقعه. إذ وجدنا أنفسنا ننزلق إلى مساحاتٍ من الجدل والسجالات التي لا تليق بمقام رئيس مجلس الوزراء، ولا تشبه رهبة المرحلة التي نعيشها. والأسوأ أنّ هذا الانشغال قد خرج من دائرتكم أنتم، فحمل الشعب إلى دوامة أسئلةٍ ليست من جوهر المعركة، وصرف الأبصار عن قضيتنا الكبرى: حرب الكرامة ووحدة الصف الوطني.

 

صرنا — بدل أن تتجمع كلمتنا حول الوطن — نُستدرَج إلى نقاشات ذات طابع شخصي، لا ترقى إلى أن تكون همًّا عاماً، ولا تليق بحَجم الشقوق التي تهدد جدار السودان. ولست هنا في مقام محاكمة أو تجريح، بل في مقام رجاءٍ لطيفٍ رقيقٍ يليق بكم، وبمنصبكم، وبشعبٍ علّق عليكم آمالاً واسعة.

 

سيدي رئيس مجلس الوزراء…

 

إن حكومة “أمل” التي خرجت من رؤيتكم واختياركم، استقبلها الناس بمحبة وثقة، وانتظروا منها تناغماً وانسجاماً يقودان إلى بداية تعافٍ للدولة. لكن ما بدا في الأيام الأخيرة، وما صاحب قضية السيدة لينا ومسؤولة البيئة، وما تبعها من تراشقاتٍ كلامية بين الصحفيين ومنسوبي مكتبكم، وضع صورتكم — وصورة حكومتكم — في مرمى الريح. فقد انكسرت بعض محبة الناس، وارتبك يقينهم، وانفتح بابٌ للنقد لم يكن أحدٌ في حاجة إليه.

 

وأنتم — سيدي — مطالبون قبل أي أحدٍ آخر بأن تُحسنوا الإنصات لوجدان هذا الشعب، وأن تُراعوا حساسيته الدقيقة في ظرفٍ بهذه الخطورة. فأنتم لستم زعيماً جاء ببرنامجٍ انتخابي كامل، بل مسؤولٌ جاء بالتكليف الوطني، محمولاً على رجاء الناس وثقتهم، وعلى آمالٍ تتطلع إليكم أن تكونوا جسرهم نحو الاستقرار لا أحد أسباب ارتباكه.

 

لقد أربكت أزمةُ الحكومة صورتكم، وأحرجت وزير الثقافة والإعلام والسياحة، ودعت خبراء الإدارة إلى التساؤل: كيف لرجلٍ تُجمِع المؤسسات الدولية على حكمته وعقله أن يزلّ في أوّليات إدارة الفريق، وأن يفتح على شعبٍ جريح باباً جديداً من الحيرة؟

 

سيدي الرئيس…

 

نحن في السودان نتعلم منذ الصغر أن يخطئ الصغار ويُصلح الكبار. لكن ماذا نفعل حين تخرج الأخطاء من حيث كنا ننتظر السداد؟

وماذا يفعل شعبٌ أنهكته الحرب إن لم يجد في قادته قدوةً تطفئ السجالات، وتُحكِم بوصلتها نحو الوطن؟

 

إن هذا الشعب — يا سيدي — لا يطلب المستحيل، بل يرفع إليكم رجاءً ناعماً خالصاً:

أن تعودوا إلى مقام الحكمة، وأن تُعيدوا البوصلة إلى صدر الوطن، وأن تجعلوا من منصبكم جسراً للتهدئة لا ساحة للجدل.

 

حفظ الله السودان، ولطف بأهله، وردَّ قادته إلى رشد المسؤولية، وألهمهم ما تحتاجه البلاد من حكمةٍ وبصيرة… فالوطن ما زال يستحق أن يُنقَذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى