رأي

عمر دمباي .. يكتب : القضارف بين ضيق الإدارة واتساع المدينة… الحاجة إلى قرار شجاع

عمر دمباي .. يكتب : القضارف بين ضيق الإدارة واتساع المدينة… الحاجة إلى قرار شجاع

 

بقلم ✏️ عمر دمباي

 

ليست أزمة القضارف اليوم في نقص الموارد أو غياب الحركة الاقتصادية، بقدر ما هي أزمة رؤية وإدارة حضرية لم تواكب التحولات الكبيرة التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة، فحاضرة ولاية القضارف تمددت فعليا، واتسعت عمرانا وسكانا ونشاطا، حتى تداخلت الحدود الإدارية بين بلدية القضارف ومحلية وسط القضارف، دون أن يواكب هذا التمدد قرار إداري يعكس الواقع الجديد.

 

في مثل هذه اللحظات، لا يكون لعن الظلام مجديا، بل يصبح إشعال شمعة قرار شجاع هو المدخل الصحيح للإصلاح، وأحد أهم هذه القرارات يتمثل في دمج بلدية القضارف ومحلية وسط القضارف تحت مسمى بلدية القضارف الكبرى، كخطوة استراتيجية لا إجرائية، تهدف إلى إعادة تعريف المدينة إداريا وتخطي عقلية الحلول المؤقتة.

 

هذا الدمج من شأنه أن يمنح حكومة الولاية مساحة أوسع للتخطيط الحضري السليم، خاصة في ما يتعلق بملف الأسواق.

 

فالتكدس الخانق في وسط المدينة ليس وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة لضيق المساحات داخل حدود البلدية الحالية، ما يدفع الإدارة، مرارا، إلى اللجوء لحلول قصيرة النفس تقوم على إنشاء أسواق بعقلية “الطبالي والدكاكين”، بدل أسواق حقيقية بمعايير حديثة تليق بمدينة محورية مثل القضارف.

 

بقيام بلدية القضارف الكبرى، يمكن للحكومة أن تتجه بوعي نحو إنشاء أسواق فرعية متطورة في أطراف المدينة، تساهم في تخفيف الضغط عن المركز، وتوزيع النشاط التجاري بصورة عادلة، وفتح فرص استثمارية جديدة، فضلا عن تحسين المشهد الحضري العام.

 

ولا يقف الأمر عند الأسواق فحسب، بل يمتد إلى البنية الرياضية والخدمية، فمدينة بحجم القضارف، وبتاريخها الرياضي والاجتماعي، تحتاج إلى مدينة رياضية أو استاد حديث، ليس بالضرورة أن يكون ضخم السعة، فاستاد يتسع لعشرين ألف متفرج يفي بالغرض ويلبي الحاجة الواقعية، إذا ما أُنشئ في موقع مخطط بعناية خارج نطاق التكدس العمراني.

 

هذا التوسع الإداري كذلك يفتح الباب أمام إنشاء مساحات خضراء مفتوحة وحدائق حضرية متعددة، تسهم في تغيير شكل ومظهر حاضرة الولاية، وتمنح المدينة متنفسا بيئيا وجماليا تفتقده المدينة، فالمساحات الخضراء لم تعد ترفا عمرانيا، بل عنصرا أساسيا في التخطيط الحديث، يعزز جودة الحياة، ويعيد التوازن بين الإسمنت والإنسان أو بين الزنك والإنسان، ويمنح القضارف وجها حضريا يليق بها كمدينة منتجة وحيوية.

 

إن استمرار إدارة مدينة متسعة بعقلية حدود قديمة، سيقود حتما إلى مزيد من الاختناقات، ويبدد فرصا حقيقية للتنمية، فالقضارف لا تعاني من ضعف الحيوية، بل من غياب القرار الذي يسبق المشكلة بدل أن يلحق بها.

 

وفي نهاية الأمر، فإن التاريخ لا يتوقف طويلا عند من اكتفوا بإدارة الأزمات، بل يذكر أولئك الذين امتلكوا شجاعة اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، وأن المدن الكبيرة لا تدار بعقلية الأمس، والقضارف اليوم تقف عند هذه اللحظة، والتاريخ لا يذكر المترددين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى