بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب: نداء لأهل الإعلام من معسكر نازحي الفاشر

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب: نداء لأهل الإعلام من معسكر نازحي الفاشر
أكتب هذه الكلمات من داخل معسكر يضم نحو عشرين ألف نازح من مدينة الفاشر، خرجوا قسرًا من بيوتهم بعد احتلالها بواسطة مليشيا الدعم السريع. هنا، حيث تتقاطع ثلاثة آلاف خيمة مع حكايات موجعة، تبدو المأساة الإنسانية وكأنها تجري خارج عدسة الإعلام، أو على هامش الاهتمام العام، رغم فداحة الحدث وعمق الجرح. عشرات الآلاف فرّوا تحت وقع القصف والخوف وانهيار كل مقومات الحياة، ليجدوا أنفسهم في فضاء هشّ وفّر لهم بعض أساسيات العيش من مأكل ومشرب، لكنه لم يمنحهم الحق في إيصال أصواتهم إلى خارج المعسكر، ولا القدرة على حماية مأساتهم من النسيان أو التزييف.
قصور التغطية الإعلامية لهذه المأساة لا يتمثل فقط في قلة الأخبار أو ضعف الحضور في نشرات الفضائيات، بل يتجسد أساسًا في غياب المنصة التي تتيح للنازحين أنفسهم أن يكونوا رواة قصتهم، لا مجرد أرقام في تقارير عابرة. ما يحدث اليوم في معسكرات نازحي الفاشر لا يُنقل كما هو؛ يُختزل أحيانًا، ويُشوَّه أحيانًا أخرى، وتُترك الساحة لروايات مضللة لا تعكس حقيقة ما عاشه الناس من قتل وتهجير وتعذيب وفقدان للأهل والمأوى.
وهنا يبرز السؤال المشروع والمؤلم في آن واحد: أين وزارة الإعلام؟ أين قنوات الفضائيات الوطنية؟ وأين الفضائيات العالمية التي تملأ شاشاتها بتغطيات من بقاع بعيدة، بينما هذه المأساة تجري على أرض السودان؟ ألم يكن من الأجدر أن تكون لهم خيام هنا، وسط المعسكر، كما للمنظمات الإنسانية خيامها وفرقها؟ خيمة للإعلام لا تقل أهمية عن خيمة الغذاء أو العيادة، لأن الكلمة والصورة جزء من الحماية الإنسانية، ولأن العدسة والمايكروفونات أصدق أنباء من الكتب والتقارير الباردة.
في ظل هذا الغياب، تبرز الحاجة الملحّة إلى إنشاء محطة بث إعلامي داخل المعسكر، تكون نافذة مفتوحة على الداخل والخارج. محطة بسيطة في تجهيزاتها، لكنها عظيمة في أثرها، تُمكّن النازحين من التواصل مع ذويهم داخل السودان وخارجه، وتعيد وصل ما انقطع بفعل الحرب والنزوح. مثل هذه المحطة لا تؤدي دورًا إنسانيًا فحسب، بل تضطلع أيضًا بوظيفة توثيقية وتنويرية بالغة الأهمية.
من خلال هذه المنصة، يمكن للنازحين أن يعكسوا الصورة الحقيقية لحياتهم منذ لحظة احتلال الفاشر، وأن يرووا، بأصواتهم هم، الحكايات المروعة التي مروا بها في طرق الهروب، وفي أيام الحصار، وفي لحظات الفقد التي لا تُنسى. شهادات حية، غير منقولة عبر وسيط، قادرة على هزّ الضمائر أكثر من أي بيان أو تقرير مكتوب. إنها روايات تخرج من شفاه أصحابها، محمّلة بصدق الألم وحرارة التجربة.
كما تمثل محطة البث أداة فعالة لحشد الدعم من المانحين والمنظمات الإنسانية؛ فإيصال الصوت الحقيقي للضحايا، بلا تزييف ولا انتقاء، يسهم في بناء تعاطف دولي أوسع، ويعزز الثقة في عدالة المطالب الإنسانية. فالمانح الذي يسمع النازح وهو يصف معاناته اليومية مع الجوع والمرض والخوف، سيكون أكثر استعدادًا للاستجابة من مانح يكتفي بمطالعة أرقام صامتة في تقرير دوري.
وفوق ذلك، تشكل هذه المنصة الإعلامية خط دفاع مهمًا في مواجهة الإعلام المضلل، الذي يسعى أحيانًا إلى تبرير الجرائم أو التقليل من حجم المأساة أو خلط الحقائق. الروايات الحية، المتعددة، والمتقاطعة، الصادرة من داخل المعسكر، تفضح الزيف وتدحض الدعاية، وتعيد الاعتبار للحقيقة بوصفها حقًا أصيلًا للضحايا وواجبًا أخلاقيًا على المجتمع الدولي.
ومن هنا، فإن هذا النداء لا يقتصر على الدعوة لإنشاء منصة بث فحسب، بل يمتد ليشمل مطالبة السلطات المختصة بالسماح لصنّاع المحتوى من الإعلاميين الشباب بدخول المعسكرات، ومقابلة النازحين، والاستماع إليهم، ونقل قصصهم كما هي، دون عوائق إدارية أو أمنية. فتح أبواب المعسكر أمام الإعلام المسؤول ليس خطرًا، بل ضرورة؛ فهو الطريق الأقصر إلى الحقيقة، والأكثر إنصافًا للضحايا.
إن قضية نازحي الفاشر ليست فقط قضية غذاء ودواء ومأوى، بل هي أيضًا قضية صوت وكرامة وحق في أن يُسمَع الإنسان وهو يروي ما جرى له. قصور التغطية الإعلامية شكل آخر من أشكال الظلم، لا يقل قسوة عن النزوح ذاته. ومن داخل هذا المعسكر، أطلق نداء استغاثة لأهل الإعلام: تعالوا إلينا، انصبوا خيامكم بين خيامنا، امنحونا المنصة، ودعوا الحقيقة تُروى بألسنة أصحابها، فالصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة في الغياب.








