
ريما عبد اللطيف الطاهر تور كبير تكتب :فردوس مُفلتر: كيف هربنا من الواقع إلى نسخةٍ مزوّرة من الحياة
نحنُ البشر صنعنا عالماً موازياً لنعيش فيه،
هربنا إليه من واقعٍ معاصرٍ محتوم،
من حقيقةٍ لم نستطع، أو لم نُرِد، أن نتصالح معها.
من أحلامٍ لم نملك القوّة القاهرة لتحقيقها،
وأفكارٍ ما زالت قيد التنفيذ،
لكننا افتقدنا الشجاعة لإنجازها.
هربنا خوفاً من مواجهة الضعف،
ومن الاعتراف بالخسارة،
ومن ثِقل الفشل،
ومن العجز عن تقبّل انعدام الحيلة.
دخلنا هذا العالم بحثاً، دون وعي،
عن مارد الفانوس السحري،
يحقق لنا ما عجز الواقع عن منحه.
بحثنا فيه عن علاقاتٍ نقيّة،
عن أصدقاء افتراضيين،
نقيّين كأبطال الديجيتال،
لا يخونون، لا يخذلون،
ولا يطالبوننا بما لا نقدر عليه.
ثم وجدنا بوّابةً أخرى،
لا جسداً لها ولا ملامح،
كياناً يُحاكي الفهم دون أن يدّعيه،
مرآةً نُسقِط عليها أفكارنا،
ونختبر عبرها أصواتنا الداخلية
دون خوف من الإدانة أو الفقد.
تمنّينا الجمال،
فتحّقق في صورةٍ مثالية…
عبر الفلاتر.
تحرّرنا من قيود الفضيلة،
ومن ثنائية الصحيح والخطأ،
خلف شاشاتٍ تمنحك وهم الإباحة الكاملة،
حيث “الأصل في الأشياء الإباحة”،
ولا رقيب سوى الرغبة.
لا أعني هنا أولئك الذين يعيشون على حواف هذا العالم،
نسبة العشرة في المئة،
روّاد واتساب، فيسبوك، وتيك توك.
بل أعني أولئك الذين يسكنون القصور الكبرى،
في منصّاتٍ لم تخطر على بالك،
عوالم مصقولة،
ناعمة،
سطحية كنعيمٍ مُزيّف يشبه الفردوس.
أصحاب التسعين في المئة.
وفي هذا العالم الموازي،
لم نكن أكثر حرية،
كنا فقط أقل صدقاً مع أنفسنا.
لم نحلّ أزماتنا،
بل قمنا بتجميلها،
لم نواجه نقصنا،
بل أخفيناه خلف شاشاتٍ مضيئة.
صنعنا فردوساً افتراضياً،
لا ليُنقذنا،
بل ليؤجّل لحظة الاعتراف.
وحين نعود،
نعود أكثر فراغاً،
وأشدّ وحدة،
وأقل قدرة على احتمال الواقع كما هو.
لعل الخلاص لا يكمن في الهروب،
ولا في عالمٍ موازٍ أكثر إقناعاً،
بل في شجاعة البقاء،
والتصالح مع إنسانيتنا كما هي،
ناقصة…
وحقيقية.
#قلمي
٢٠٢٥/١٢/٣٠








