بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : هزيمة الدعم السريع وبداية الامتحان الأصعب: الدولة أم سنديكيت المنتصرين؟

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : هزيمة الدعم السريع وبداية الامتحان الأصعب: الدولة أم سنديكيت المنتصرين؟
يتطلع السودانيون الذين أنهكتهم الحرب إلى أن يحلّ السلام قريبًا بهزيمة مليشيا الدعم السريع، وأن تتوقف آلة الدمار التي مزّقت المدن والقرى، وشرّدت الملايين، وأفقدت الدولة هيبتها ووظيفتها. هذا التطلع ليس تعبيرًا عن رغبة في الانتقام، بل عن حاجة إنسانية عميقة إلى الأمان والاستقرار وعودة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية. غير أن التجربة السودانية، كما تجارب دول كثيرة خرجت من حروب أهلية، تؤكد حقيقة لا يمكن تجاهلها: نهاية الحرب عسكريًا لا تعني تلقائيًا بداية السلام سياسيًا.
فالهزيمة العسكرية تُنهي طرفًا مسلحًا، لكنها لا تُنهي منطق الحرب الذي تسلل إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع. بعد توقف القتال يبدأ صراع جديد، أقل ضجيجًا لكنه أشد خطورة، حول من يحكم السودان، وكيف تُدار السلطة، ومن يملك حق تقرير المسار الوطني. في هذه اللحظة الفاصلة يبدأ الامتحان الأصعب، امتحان ما بعد الحرب.
وفي قلب هذا الامتحان يقف الجيش السوداني. فقد خرج من الحرب بوصفه القوة النظامية الأكثر تنظيمًا وانتشارًا، والقادرة على فرض النظام أو ترك الفراغ. هذا الموقع يمنح الجيش سلطة فعلية، لكنه يحمّله مسؤولية تاريخية غير مسبوقة. فالسودانيون لا ينتظرون من الجيش أن يتحول إلى سلطة سياسية دائمة، بل ينتظرون منه أن يكون جسر العبور من زمن السلاح إلى زمن الدولة. الفرق بين الدورين دقيق، لكن نتائجهما متناقضة تمامًا.
غير أن الجيش لم يخض الحرب وحده. فقد تشكلت حوله خلال الصراع شبكة واسعة من الحلفاء. مجموعات مسلحة قاتلت إلى جانبه في جبهات مختلفة، إدارات أهلية وقيادات قبلية وفّرت له الغطاء الاجتماعي والتعبئة البشرية، ومجموعات حزبية رأت في الاصطفاف معه موقفًا وطنيًا أو فرصة سياسية. ومع اقتراب نهاية القتال، تتحول هذه التحالفات العسكرية والاجتماعية إلى مطالب سياسية واقتصادية واضحة.
فقادة المجموعات المسلحة سيطالبون بمواقع داخل المؤسسة العسكرية أو الأجهزة الأمنية، وسيضغطون للاحتفاظ بنفوذهم المحلي تحت مسمى “الأمن” أو “الحماية”. زعماء القبائل سيطالبون بنصيب في السلطة المحلية وبالتحكم في الأرض والموارد، وسيقدّمون أنفسهم بوصفهم ممثلين طبيعيين لمجتمعاتهم. بعض الأحزاب والتيارات السياسية سيطالب بالمشاركة في الحكم بوصفه “شريكًا في الانتصار” أو “صوتًا مدنيًا” في مرحلة انتقالية مضطربة.
وهنا يواجه الجيش لحظة الاختيار الحاسمة. فإذا أدار هذه المطالب بمنطق المكافأة السياسية، فإنه يُدخل منطق الحرب إلى قلب الدولة. عندها تقوم السلطة على معيار “من قاتل مع من”، لا على مبدأ المواطنة المتساوية. هذا المسار لا يبني دولة، بل يؤسس لنظام يقوم على توازنات القوة، ويجعل الاستقرار رهينة لرضا الشركاء، لا لسيادة القانون.
فالمجموعات المسلحة التي قاتلت مع الجيش لم تدخل الحرب بمشروع وطني شامل، بل بدوافع أمنية ومحلية مباشرة. هذه المجموعات خرجت من الحرب بسلاح وخبرة وشعور قوي بالاستحقاق. إذا قبل الجيش دمجها دمجًا شكليًا، وأبقى على قياداتها وبنيتها وولاءاتها، فإنه يزرع داخل المؤسسة العسكرية نفسها مراكز نفوذ متنافسة. في هذه الحالة، لا يحتكر الجيش السلاح فعليًا، بل يدير توازنًا مسلحًا داخل صفوفه، ما يهدد وحدته المهنية على المدى المتوسط.
وفي السياق نفسه، تلعب الإدارات الأهلية والمجموعات القبلية دورًا بالغ الحساسية. خلال الحرب، اضطلعت هذه البنى بدور مهم في تعبئة المجتمعات وضبطها. غير أن بعض زعمائها سيحاول بعد الحرب تحويل هذا الدور المؤقت إلى نفوذ سياسي دائم. إذا قبلت الدولة بهذا التحول، فإنها تنقل مركز الشرعية من القانون إلى الانتماء الاجتماعي، وتفتح الباب أمام حكم يقوم على التوازنات القبلية لا على الحقوق المتساوية. هذا المسار لا ينتج استقرارًا، بل يؤجل الصراعات ويعيد إنتاجها في شكل جديد.
أما المجموعات الحزبية، فإن ضعفها التنظيمي لا يلغي تأثيرها السياسي. فالحرب أضعفت الأحزاب وقطعت صلتها بجزء كبير من قواعدها، لكنها في الوقت نفسه قرّبتها من السلطة. بعض هذه الأحزاب قد يقبل بدور “الغطاء المدني” لتحالف عسكري–قبلي، فيمنح شرعية شكلية لقرارات تُتخذ خارج المؤسسات الديمقراطية. عندما يحدث ذلك، تتحول الأحزاب من أدوات تمثيل وبرامج إلى أدوات تبرير، وتُفرغ السياسة من معناها التنافسي.
فمن تفاعل الجيش مع هذه القوى جميعًا يتشكل ما يمكن تسميته سنديكيت المنتصرين: شبكة مصالح غير معلنة، تُدار عبرها السلطة من خلال توزيع المواقع والامتيازات، والتحكم في الموارد، وتحييد المساءلة. هذا السنديكيت لا يحكم عبر دستور واضح أو عقد اجتماعي، بل عبر صفقات متغيرة. وهو أخطر من الحكم السلطوي المباشر، لأنه يوزع المسؤولية ويُصعّب المحاسبة.
المفارقة أن سقوط مليشيا الدعم السريع قد يفتح بابًا تاريخيًا لبناء الدولة، لكنه قد يفتح أيضًا بابًا آخر لإعادة إنتاج الأزمة. فالدولة لا تنتصر بسقوط خصمها، بل تنتصر عندما يخضع الجميع لقواعد واحدة. الدولة لا تقوم على توازن الخوف بين شركاء السلاح، بل تقوم على احتكار القوة، وسيادة القانون، وسياسة مدنية قائمة على التمثيل والبرامج.
فالسودانيون لا ينتظرون دولة مثالية، لكنهم ينتظرون دولة واضحة المعالم. دولة يعرف فيها المواطن من يحكم، وكيف يُحاسَب، وأين ينتهي دور الجيش وأين تبدأ السياسة. السلام الذي يتطلعون إليه ليس مجرد صمت البنادق، بل حضور الأمن والعدالة والمعنى.
وبعد هزيمة مليشيا الدعم السريع، سيقف السودان أمام مفترق طرق حقيقي. إمّا أن يحوّل الجيش النصر العسكري إلى بداية دولة تُدار بالقانون، أو يسمح بتحويله إلى بداية حكم سنديكيت المنتصرين تُدار بالصفقات. وهذا هو الامتحان الأصعب فعلًا: امتحان ما بعد الحرب، حيث لا تُقاس المسؤولية بالقوة، بل بالقدرة على كبحها وتحويلها إلى مؤسسة.








