رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب: المجد للعدس والبليلة. 

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب: المجد للعدس والبليلة.

 

منذ ما يقارب ثلاثة أعوام، يعيش السودانيون واحدة من أقسى فترات تاريخهم الحديث. فقد فُرضت عليهم حرب طويلة بلا مبرر سياسي ولا سند أخلاقي، ترتب عليها ما لا يُحصى من الأضرار والانتهاكات، وأدّت إلى انهيار شبه كامل في سلاسل الإمداد الغذائي، وغلاء فاحش جعل لقمة العيش—إلى جانب النجاة من القتل—الهمّ الأول للناس. ولم تعد المعاناة حدثًا طارئًا، بل تحولت إلى نمط حياة يومي، تُقاس فيه الأيام بما يتوفر من طعام، لا بما يحمله الغد من وعود.

 

وفي قلب هذه المأساة، فرضت المليشيا حصارًا خانقًا على من تبقى من الناس، خاصة أولئك الذين لم يتمكنوا من النزوح لضيق ذات اليد، أو لغياب وجهة واضحة يقصدونها، أو لأن المليشيا منعتهم بالقوة واحتجزتهم داخل الأحياء والقرى دروعًا بشرية أو رهائن. أغلقت الطرق، ومنعت الحركة، وحوّلت الجوع إلى أداة حرب لا تقل فتكًا عن السلاح.

 

وخلال هذه الفترة، عاش الناس على الحدّ الأدنى الممكن من الحياة. شدّوا الأحزمة على البطون، واختصروا الوجبات، وتركوا القدور تغلي على النار فارغة أو شبه فارغة، توهم الأطفال بأن الطعام في الطريق حتى يناموا. تقاسموا القليل الذي يجدونه، وأعادوا تعريف معنى الشبع. صار الطعام قرارًا جماعيًا، وتحول السؤال اليومي عمّا يأكلون إلى سؤال وجودي لا رفاه فيه.

 

وفي وسط هذا المشهد القاسي، برز دور التكايا باعتباره أحد أنبل أشكال التضامن الاجتماعي. فتحت التكايا أبوابها، وقدّمت ما تيسّر، وحفظت للناس شيئًا من الكرامة في زمن الإذلال. لم تكن مجرد مطابخ، بل مساحات إنسانية يتساوى فيها الجميع أمام قدر واحد، وتُرمَّم فيها الروح قبل الجسد.

 

وهنا، في قلب الحصار والجوع، ظهر العدس وظهرت البليلة لا بوصفهما خيارًا غذائيًا مفضلًا، بل بوصفهما طوق نجاة. صار العدس والبليلة المصدرين الوحيدين للغذاء في كثير من المناطق المحاصرة. اعتمد عليهما الناس، وجبتين في اليوم، كل يوم، طوال سنوات الحصار. وجبتان تُمسكان بالجسد من الانهيار، وتُبقيان الروح معلّقة بالحياة. وهنا حق علينا ان نهتف؛ المجد للعدس… المجد للبليلة.

 

ولم يكن العدس يومًا غريبًا على المائدة السودانية. فقد عرفه الناس قديمًا بوصفه طبقًا «إسعافيًا» يُلجأ إليه في أوقات الطوارئ، وفي أواخر الشهر عندما يجف المصروف وتضيق الخيارات. أما نحن، ممن يسمون “اولاد الحكومة” معشر الذين عاشوا في المدارس الداخلية منذ المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة، فضلًا عن العزّابة والطلبة في الغربة، فقد عشنا مع العدس وبالعدس. رافقنا في سكنات الطلبة وفي المطابخ المشتركة، حتى صار بعضنا يطلق عليه تدليلًا ورفقًا اسم «أبو عديس».

 

وحكى لي أحد شيوخ العزّابة طرفةً من طرائفهم مع العدس، تختصر فلسفة القِلّة والكرم معًا. قال إنهم عاشوا عزّابًا في منزلٍ بأقصى المدينة، لكن ذلك المنزل، على تواضعه، ظل قبلةً للضيوف بلا موعد ولا سابق إخطار. وكانوا حين يضعون ثيابهم من الظهيرة، وقد استوت حلة العدس على النار، وهم يتضوّرون جوعًا في انتظار نضجها، إذا طرق بابهم زائر على حين غرة، هرع من عليه نوبة الطبخ ليضيف إلى الحلة «كوز» ماء — ذلك الذي يعدّونه نصيب الضيف — قبل أن يُفتح الباب. وهكذا يتّسع العدس فجأة، لا بالمقدار وحده، بل بالنية الصادقة، وينداح ليكفي الجميع دون أن يُحرج الضيف أو يشعر المضيف بالنقص. وقال إن العدس، في عرفهم، طعامٌ «مبروك». ويشهد أحد طهاة التكايا على هذه البركة عمليًا، إذ يؤكد أن كيلوًا واحدًا من العدس قد يكفي عشاءً لعشرين أسرة.

 

ولم تكن البليلة غريبة على هذه الذاكرة الغذائية، لكنها جاءت من عالم مختلف تمامًا. فقد عرفها السودانيون قديمًا طعامَ فرح لا طعامَ شدة. تُصنع من اللوبيا التي نسميها في العامية «عدسية»، وتنتشر على نطاق واسع في وسط السودان وغربه. نستهل بها، مع البلح، إفطارنا في رمضان، ونقدّمها في المناسبات السعيدة حين يصعب ذبح الذبائح أو تضيق الأحوال، فتؤدي دورها بكرمها البسيط. وأهلنا يفضّلون بليلة «المباشِر» التي تستقبلك بترحاب صادق، على ذبيحة «المكاشر» الذي يستقبلك وهو لك كاره. غير أن زمن الحرب أعاد البليلة من موائد الفرح إلى موائد الصبر، فصارت حاضرة في أيام الشدة كما كانت في أيام السعة، شاهدة على قدرة الناس على التكيّف، وعلى تحويل ما ارتبط بالبهجة يومًا إلى سند للبقاء في زمن القسوة

 

ولم يقتصر الاعتماد على العدس والبليلة على مناطق الحصار وحدها، بل امتد ليشمل المدن والقرى التي لم يصلها التمرد بصورة مباشرة. فغلاء الأسعار، وانقطاع السلع، وشح الموارد المالية، وصعوبة النقل، دفعت الناس دفعًا إلى العدس بوصفه الخيار الأكثر توفرًا والأقل كلفة. دخل كل البيوت بلا استثناء، وصار قاسمًا مشتركًا بين الجميع: فقيرهم وغنيهم، صغيرهم وكبيرهم. حتى إنهم زعموا أن رضيعًا ظل يبكي بلا توقف، وحين سألت الجارات أمه عن السبب، أجابت بأنها لا تدري سر بكائه، فهو صحيح الجسد، و«بزته» مليئة بالعدس… أو كما قال الراوي.

 

ويؤكد المختصون أن للعدس والبليلة فوائد غذائية واسعة، ويحضون علي استهلاكها بانتظام ودون تحفّظ، لا بوصفهما طعام ضرورة فحسب، بل خيارًا صحيًا دائمًا. فالعدس كاخته البليلة غني بالبروتين النباتي، ويمد الجسم بالطاقة، ويحتوي على الحديد الذي يقي من فقر الدم، وعلى الألياف التي تسهم في تحسين الهضم، إلى جانب عناصر غذائية مهمة مثل الفولات والبوتاسيوم. وبهذه الخصائص، يمثّل العدس غذاءً بسيطًا في شكله، عميق الأثر في قيمته، صالحًا لكل الأوقات، لا في أزمنة الجوع والحصار وحدها.

 

من هنا، لا يعود الحديث عن العدس والبليلة مجرد استعارة أدبية، بل يتحول إلى رؤية عملية للأمن الغذائي. وعلى الدولة أن تتبنى سياسة واضحة لتوطين زراعة العدس في السودان كما العدسية، بعد دراسات علمية تحدد المناطق الأكثر ملاءمة لمناخه ونموه، مع دعم البحث الزراعي، وتوسيع دائرة الإنتاج، وبناء مخزون استراتيجي منه. كما يقتضي الواقع إعفاء وارداته من الرسوم الجمركية، بعدما أصبح قوتًا رئيسيًا لغالبية أهل السودان. فالعدس لم يعد طعام أزمة عابرة، بل محصولًا استراتيجيًا في بلد يتكرر فيه الاختلال والحصار.

 

ولأن الحاجة أمّ الاختراع، أبدعت النساء السودانيات في تحويل العدس إلى مائدة كاملة لا تقل تنوعًا عن الموائد العامرة. تعلّمن إعداد دمعة العدس، ومفروكة العدس، وكفتة العدس، ومحشي العدس، وشوربة العدس، وصنوف متعددة من ملاح العدس. وليس من عجب؛ فهنّ أنفسهن صاحبات البصمة في ابتكار أشربة سودانية أصيلة مثل الحلو مر والآبري، ومبدعات ملاح الويكاب المصنوع من اللوبيا وكربون القصب المحروق. فلله درّ هؤلاء الكوشيّات، اللائي استطعن عبر القرون أن يصنعن من القلّة تنوعًا، ومن الضيق كرامة، وأن يقدّمن من البساطة درسًا خالدًا في الصبر والابتكار. وزعمت إحدى طالباتي في الجامعة أنها أكلت شاورما من العدس، يتقن إعدادها رجل إرتري في السواقي الجنوبية بكسلا. وبالطبع، لم يصدّقها أحد

 

وفي السياق نفسه، وجدت «العدسية» نصيبها الواسع من الانتشار، حتى صارت بديلًا للفول المصري في كثير من الموائد. وفي سنار، شاهدت مطاعم للبليلة تحلّ محل مطاعم الفول، ورأيت شبابًا يصنعون منها «البوش»؛ فتّة البليلة مع البصل والطماطم وزيت السمسم، في مثال حيّ على كيف تتحول الحاجة إلى ذائقة جديدة، ويعيد الناس ابتكار طعامهم بما يتاح لهم من موارد.

 

وفي زمن الحرب، تتبدل القيم والمعاني. فقد يصبح البسيط عظيمًا، وقد يتحول الطعام إلى رمز صمود. والعدس، الذي لم يكن يومًا نجم الموائد، صار شاهدًا على قدرة السودانيين على البقاء، وعلى تحويل الحد الأدنى إلى حياة. فالمجد للعدس.

 

أقول قولي هذا ونحن نخطو بعزم في طريق التعافي من حربٍ غاشمة، فقدنا فيها ما فقدنا من متاع وأموال، وتشرّدنا في بقاع الأرض، وسالت منا دماء زكية، وارتقى منا شهداء كتبوا أسماءهم في سجل الفداء. وبين وجع الفقد وإصرار البقاء، لا نملك إلا أن ننحني إجلالًا لمن ضحّوا بأرواحهم، ولما أبقانا أحياء في زمن القسوة.

فالمجد للشهداء، بل المجد للعدس والبليلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى