رأي

تقرير رويترز ومعركة السيادة: السودان في مواجهة التمويل والتدريب الخارجي

تقرير رويترز ومعركة السيادة: السودان في مواجهة التمويل والتدريب الخارجي

 

الأستاذ موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي

 

في لحظةٍ مفصلية من تاريخ السودان الحديث لم تعد الحرب مجرّد اشتباكٍ داخلي بين جيشٍ ودولة ومليشيا متمرّدة بل انزلقت بهدوءٍ خبيث إلى فضاءٍ أخطر هو فضاء حرب الوكالة حيث تتوارى الدول خلف الأقنعة وتُدار المعارك من وراء الستار وتُضخّ الجيوش كما تُضخّ السيولة في الأسواق السوداء وحين كشفت رويترز عن معسكرٍ سرّي داخل الأراضي الإثيوبية لتدريب آلاف المقاتلين لصالح مليشيا الدعم السريع لم تكن تلك مجرد معلومة صحفية بل وثيقة اتهام جيوسياسية تفضح كيف يُعاد تشكيل الحرب السودانية خارج حدودها وكيف يُصنع الموت في مصانع إقليمية قبل أن يُصدَّر إلى المدن السودانية المحاصرة

فأن تستضيف دولة ذات سيادة معسكرات تدريب لمليشيا تحارب دولة جارة ليس تفصيلاً عارضاً ولا اختراقاً أمنياً عابراً بل هو انتقال مقصود من موقع الجار إلى موقع الفاعل في مسرح الحرب وهو ما يجعل إثيوبيا جزءاً من معادلة النزاع لا مجرد متفرج عليه ويحوّل الحدود من خطوط جغرافية إلى ممرات استراتيجية لتدفق السلاح والبشر والعقيدة القتالية وهنا يتبدّى الخطر في أوضح صوره لأن الدولة التي تفتح أرضها لتكون منصة لإعادة إنتاج المليشيا إنما تشارك في إعادة صياغة ميزان القوة داخل السودان بما يخدم حسابات إقليمية تتجاوز الشعب السوداني ودماءه ومعاناته

أما التمويل الذي تقف خلفه قوى خليجية وعلى رأسها الإمارات كما أوردت المصادر فهو يضع هذه الحرب في سياقها الحقيقي بوصفها مشروع نفوذ لا صراعاً سياسياً سودانياً فحين تُموَّل المعسكرات وتُرسل المدربون وتُبنى منظومات الإسناد اللوجستي فإننا أمام نموذج مكتمل لحرب بالوكالة حيث تتحول المليشيا إلى ذراع عسكرية لمصالح خارجية وحينها يفقد الصراع أي إمكانية للتسوية المحلية لأن قراره لم يعد في الخرطوم بل في غرف مغلقة خارجها

وفي هذا السياق لم تعد مليشيا الدعم السريع قوة فوضوية عشوائية بل كياناً يُعاد تشكيله بعناية عبر التدريب والتمويل والتكنولوجيا بما يجعله أقرب إلى جيش غير نظامي عابر للحدود وهو تطور بالغ الخطورة لأنه ينقل المليشيا من خانة التمرّد إلى خانة الأداة الإقليمية التي تُستخدم لتفكيك الدول وإعادة رسم الخرائط من الداخل ولذلك فإن إعلان الجيش السوداني عن رصد وتدمير المسيّرات المعادية ومنظوماتها بدقة عالية لا ينبغي قراءته بوصفه إنجازاً عسكرياً فقط بل بوصفه اشتباكاً مباشراً مع شبكة دعم دولية تحاول فرض معادلة ردع جديدة فوق التراب السوداني

هذا التحول العميق في طبيعة الحرب يعني أن السودان لم يعد يواجه خصماً داخلياً فحسب بل يواجه مشروعاً سياسياً إقليمياً يستثمر في الفوضى ويستغل هشاشة اللحظة التاريخية لإعادة ترتيب توازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر عبر بوابة الخراب السوداني وهو ما يجعل المعركة اليوم معركة سيادة ووجود لا معركة سلطة ومناصب لأن الدولة التي يُدرَّب خصمها في الخارج وتُموَّل عملياته من عواصم بعيدة إنما تُستهدف في جوهرها كدولة لا كحكومة

وحين يتحدث العالم عن وقف إطلاق النار دون أن يجرؤ على إغلاق خطوط التدريب والتمويل فإنه يمارس نفاقاً سياسياً فجّاً لأن السلام لا يُصنع بالبيانات بل بتجفيف منابع الحرب وكل رصاصة تُطلق داخل السودان اليوم تحمل في معدنها بصمات غرف عمليات خارجية وكل مقاتل يُدفع إلى الميدان هو نتاج هندسة إقليمية لا علاقة لها بمستقبل الشعب السوداني ولا بحقوقه في دولة مستقلة ذات سيادة

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط أن الحرب تُدار من الخارج بل أن السودان يُختبر كنموذج هل يمكن تحويل دولة كاملة إلى ساحة تنازع نفوذ بين قوى إقليمية دون أن يتحرك الضمير الدولي وإذا سقط السودان في هذا الاختبار فلن يكون ذلك نهاية مأساة محلية بل بداية زلزال إقليمي سيعيد تعريف الأمن في أفريقيا والشرق الأوسط معاً ولهذا فإن ما كشفته رويترز ليس خبراً عابراً بل جرس إنذار تاريخي يقول بوضوح إن السودان لم يعد فقط في قلب الحرب بل في قلب مشروع لإعادة هندسة المنطقة على أنقاضه وأن صمود الدولة السودانية اليوم هو آخر جدار يحول دون انزلاق الإقليم كله إلى فوضى بلا حدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى