دكتور حسن موسى يوسف يكتب : الديموغرافية وثنائية “الأرض والإنسان” في السودان
دكتور حسن موسى يوسف يكتب : الديموغرافية وثنائية “الأرض والإنسان” في السودان
تُعدُّ الخريطةُ الديموغرافيةُ للسكان واحدةً من أكثر اللوحات أهميةً للسياسة والتنمية والسلام في السودان، ولكنها مهملةٌ ويُساءُ فهمُها في سياق ثُنَائِية “الأرض والإنسان”. وترسمُ تداخلاتُ هذه الثنائيةِ وتعقيداتُها ملامحَ تساؤلاتٍ جوهريةٍ في إطار وفرةِ مواردِ وثرواتِ الأرضِ من جانبٍ، وديموغرافية ومواطنة وثقافة وحضارة البشر وحقوقهم الإنسانية من جانبٍ آخر. هل تعاني الأرضُ الرحبةُ والغنيةُ بمواردها وثرواتها الطبيعية والمعدنية حقاً من “فراغٍ ديموغرافي”؟ أم هل يشكلُ الإنسانُ والديموغرافيةُ عقبةً في استغلال موارد الأرض وثرواتها؟
حينما تُفكرُ في هذه الخريطةِ ويدورُ في عقلك مثلُ هذه التساؤلات المهمة، قد تجدُ نفسَك أمام مفارقاتٍ واقعيةٍ وصارخة. فمثلاً؛ قد يدور في عقلك تفكيرُ أنَّ الأرضَ الرحبة ومواردها الخصبة وثرواتها امتدادٌ جغرافي طبيعي خالٍ من السكان (فراغ ديموغرافي)، مما يفتحُ الشهيةَ للأطماعِ والتدخلات الخارجية كما حدث في فترة الاستعمار الإنجليزي المصري (1898 – 1956) ومازال سائداً في الخارج خاصة في دول الجوار. وقد يكون لديك رغبةٌ في استحواذِ الموارد والثروات، ولكن يطّلبُ ذلك إفراغَ الأرضِ من سكانها بالعنف والقوة (إحلال ديموغرافي)، كما يحدث الآن جراء الحرب الوجودية على المواطنين منذ أبريل 2023.
لابد من أن يقودَ التفكيرُ في هذه المفارقات إلى إدراكِ الترابطِ والتفاعل الديموغرافي بين الأرض والانسان في السودان؛ وهو امر لم يجد الاهتمام في قضايا التنمية والسلام في السودان. ولكن من الخطأ أن يوصفَ هذا الترابطُ بأنه “فراغٌ ديموغرافي” أو “إحلالٌ ديموغرافي” بالمعنى الإحصائي العددي الصرف للسكان في ظل الموارد الطبيعية وثروات الأرض وفي ظل حق المواطن في هذه الثروات وفي التكاثر. وذلك لسببٍ أساسيٍ وهو أن المواطنين، وجميع السكان في السودان، ليسوا إحصاءاتٍ عدديةً تُهملُ أو يُهابُ وجودها، وإنما بشرٌ لهم سلوكٌ ديموغرافي يرتبطُ بحقوق الإنسان، بما في ذلك حقهم في المواطنة وفي موارد وثروات الأرض للعيش والحياة فيها، والحركة والتنقل والتكاثر والإنجاب وغيرها من الحقوق الانسانية. كما أن الاهتمام بالعدد الإحصائي فقط لا يكفي لفهم ثنائية الأرض والانسان في السودان؛ ويشكل معضلة فنية في إدراك الأبعاد الجيوسياسية للتغيرات التي تحدث في ثروات الأرض وفي ديموغرافية السكان والترابط فيما بينهما.
نُقدم في هذا المقال والمقالات القادمة ثُنَائِية “الأرضِ والإنسانِ” في السودان من مَنْظُور الخَارج الذي اهْتَمَ “بِالفَرَاغ الديموغرافي” “وبالإحْلَالِ الديمُوغْرَافي”؛ وكِلَاهُمَا يُفْضِي إلى مُحَاوَلَة “الاحْتِلَالِ والإحْلَالِ” من أجْلِ الحُصول على ثَرَوات الأرض ومَوَاردها الطَبِيعِيةِ والمَعْدَنِيةِ. ولكن، يثير هذا الطرح تساؤلات عن كَيْفَ يَنْظُرُ أهْلُ السُّودَانِ أنْفُسِهِمْ إلى هذه القَضِيةِ؟ ومَا هو المَطْلُوب بِحَيْثُ يُصْبِحُ المنَظْور الخَارِجِي خاضعاً للتخطيط والإرادة الداخلية حتى ينسجم تَأثِيرُهَ ايجاباً على تَفَاعُلَاتِ المَشْهَدِ الوطني واولويات التنمية والسلام في السُّودَانِ؟ وبِمَا أنَّ المَنْظُورَ الخَارِجِيَّ رَكَّزَ اهْتِمَامَهُ على الثرْوَةِ وطَرَحَ بعنف قَضِيةَ “الفَرَاغِ الديمُوغْرَافِي”، وكَذَلِكَ قَضِيةَ “الإحْلَالِ الديمُوغْرَافِي” في زَمَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ تَمَّ ذِكْرُهُمَا سَابِقاً؛ نُلَاحِظُ في كِلَا الحَالَتَيْنِ أنَّ الاهْتِمَامَ انْصَبَّ في العَدَدِ الإحْصَائِي لِلسُكانِ وتَجَاهَلَ الديمُوغْرَافِيَةَ وارْتِبَاطَاتِهَا بِثُنَائِيةِ “الأرضِ والإنسانِ”. والإِنْسَانَ السُّودَانِيَّ بَشَر لَهُمُ الحَقُّ في موارد الأرضِ والثَّرَوَاتِ المعدنية لِلحَيَاةِ والرفاهية ولهم الحق في التكاثر، وكَذَلِكَ في حُقُوقِ الإنْسَانِ. وهُنَا يَكْمُنُ الخَطَأُ في الطَّرْحِ الخَارِجِيِّ الذي يُعَظِّمُ الثَّرْوَةَ ويُهْمِلُ الإنْسَانَ. وسَوْفَ تُفَصِّلُ المَقَالَاتُ القَادِمَةُ جَوَانِبَ وأبْعَادَ الطَّرْحِ الخَارِجِيِّ.
وسَوْفَ نَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ جَوَانِبِ المَشْهَدِ الدَّاخِلِي، وهي بِالأسَاسِ تَعْتَمِدُ على أنَّ الديمُوغْرَافِيَة لَيْسَتْ أرْقَاماً سُكانِيةً أو إحْصَاءَات عددية، وإنمَا دِينَامِيكِيات ثَقَافِيةٌ دَاخِلِية تتفاعل وتَتَرَابَطُ مَعَ حَقِّ الإنْسَانِ في الثرْوَةِ والأرضِ والمَوَارِدِ لِلحَيَاةِ والتطَوُرِ، ومع الحُقوقِ الإنْسَانِية الأُخْرَى؛ بِمَا فِيهَا حَق الإنْجَابِ والتكَاثُرِ. وفي سِيَاقِ هذا التحْلِيلِ، لابد من توضيح أنَّ الاهتمام باسْتِغْلَالَ الأرضِ والمَوَارِدِ الطَّبِيعِيةِ والثرَوَاتِ المعدنية في السُودَانِ يجب ان لا يتم بالحرب والقهر والعنف واثارة قَضَايَا الفَرَاغِ والإحْلَالِ الديمُوغْرَافِي، أو أنْ يَتِم ذلك بِإهْمَالِ او تجاهل وتهميش البَشَرِ والإِنْسَانِيةِ. من الضَرُورِي أنْ تتِمَّ الاستفادة من الثرْوَةِ في السودَانِ بتنمية الموارد البشرية ورفاهية الانسان في الداخل وبِالشرَاكَاتِ الداخلية والخارجية التي تُؤَمِنُ السلام وحُقوقَ الإنْسَانِ في السودَان. وذلك علماً ان اسْتِغْلَال الثرْوَةِ يَعْتَمِدُ، ضمن عوامل اخرى، على الوَضْعِ الديموغْرَافِي الدَّاخِلِي والحقوق الانسانية لِلسُكانِ، وقَدْ تَغَيَرَ هذا الوضع كَثِيراً بِسبَبِ اثار الحرب الوجودية والفَشَلِ في تَحْقِيقِ هَدَفِ الإحْلَالِ الدِيمُوغْرَافِي. هذه بَعْضُ ملامح البُعْدِ الدَّاخِلِي التي سَوْفَ يَتِمُّ تَحْلِيلُهَا في المَقَالَاتِ القَادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ.
نخلص من هذا المقال للنقاط والافكار الجوهرية التالية:
1. تتمحورُ القضيةُ الاساسية حولَ “ثنائيةِ الأرضِ والإنسانِ” في السودانِ، حيثُ تُعدُّ الخريطةُ الديموغرافيةُ عنصراً حاسماً في السياسةِ والتنميةِ والسلام لكنها غالباً ما يتم تجاهلها او تُفهمُ بشكلٍ قاصر وخاطئٍ.
2. يطرحُ المقالُ تساؤلاً مركزياً حولَ ما إذا كان السودانُ يعاني فعلياً من “فراغٍ ديموغرافيٍّ” في ظلِّ وفرةِ المواردِ الطبيعية والثروات المعدنية، أم أنَّ العنصرَ البشريَّ يُنظرُ إليهِ خطأً كعقبةٍ أمامَ استغلالِ هذه الثرواتِ.
3. تشيرُ مفارقةُ الفراغِ الديموغرافي إلى أنَّ النظرَ للأرضِ كمساحاتٍ جغرافية خاليةٍ من السكانِ وغنية بالموارد والثروات يفتحُ الشهيةَ للأطماعِ الخارجيةِ، وهو ما حدثَ تاريخياً إبانَ الاستعمارِ الإنجليزيِّ المصري ومازال سائداً في الخارج خاصة في دول الجوار.
4. كما تشيرُ مفارقةُ الإحلالِ الديموغرافي إلى أنَّ الرغبةَ في الاستحواذِ على الثروة والمواردِ تؤدي إلى محاولاتِ “إفراغِ الأرضِ” من سكانِها، وهو الأمرُ الذي يرتبطُ بالحربِ الوجودية الحاليةِ منذُ أبريلَ 2023.
5. ويؤكدُ المقال أنَّ المواطنينَ ليسوا مجردَ أرقامٍ أو إحصاءات تُهمَلُ، بل هم بشرٌ لهم حقوقٌ أصيلةٌ في المواطنةِ، والحركةِ، والعيشِ الكريمِ من ثرواتِ أرضِهم.
6. ويوضحُ المقال وجودَ قصورٍ جراءَ الاعتمادِ على الأعدادِ الإحصائيةِ للسكان فقط، إذ إنها لا تكفي لفهمِ الأبعادِ الجيوسياسيةِ والديموغرافية المعقدةِ للتغيراتِ التي تطرأُ على ثرواتِ الأرضِ والسكانِ في السودانِ.
7. ويوصي المقال بأن يبتعد الخارج من التخطيط للاستفادة من ثروات وموارد الارض في السودان بالحرب والقهر والعنف واثارة قَضَايَا “الفَرَاغِ الديمُوغْرَافِي ” و” الإحْلَالِ الديمُوغْرَافِي” وأنْ لا يَتِم ذلك بالتحايل السياسي وبِإهْمَالِ او تجاهل البَشَرِ والإِنْسَانِيةِ.
8. كما يوصي المقال أنْ تتِمَّ الاستفادة من الثرْوَةِ في السودَانِ بتنمية الموارد البشرية ورفاهية الانسان في الداخل وبِالشرَاكَاتِ الداخلية والخارجية التي تُؤّمِنُ السلام وحُقوقَ الإنْسَانِ في السودَان.
نواصل التحليل في المقالات القادمة
دكتور حسن موسى يوسف
اديس ابابا
2 رمضان 1447/ 20 فبراير 2026








