رأي

موسى داؤد يكتب : على مَرافِئِ التَّسامُح: نحوَ سودانٍ يَتَّسِعُ للجميع

في الأزمنة العادية يُعدّ التسامح فضيلة تُزيّن سلوك الأفراد وتُهذّب العلاقات، أمّا في الأزمنة التي تتكاثر فيها الجراح فيغدو وطناً معنوياً نحتمي به من الانقسام، وجسراً نعبر عليه نحو الأمان. لقد أثقلت الحرب كاهل السودان، ودفع شعبه فاتورة باهظة من أمنه واستقراره وأحلام أطفاله، ولم تكن الخسائر مادية فحسب، بل امتدت إلى اللغة نفسها، حين تسلّل إليها خطاب الكراهية، وتكاثرت فيها عبارات الإقصاء والتعميم.
غير أنّ الشعوب الحيّة لا تُعرّفها لحظات انكسارها، بل قدرتها على النهوض من بين الركام بروح أكثر حكمة ونضجاً. وهنا يتقدّم التسامح لا بوصفه شعاراً عاطفياً، بل باعتباره وعياً عميقاً بطبيعة الاختلاف الإنساني، وإدراكاً بأن التنوع الذي يميّز السودان هو ثروته الكبرى لا عبئه الثقيل. فاختلاف الأعراق والثقافات واللغات ليس خطراً يُخشى، بل طاقة كامنة إن أُحسن توجيهها أصبحت مصدر إبداعٍ وتكامل.
إن التعايش بين مكوّنات السودان ليس خياراً ثانوياً، بل هو قدرٌ جميل ينبغي أن نُحسن قراءته. فالوطن الذي يتّسع لتعدده، ويمنح أبناءه شعوراً متساوياً بالكرامة والانتماء، هو وطنٌ أقرب إلى السلام وأقدر على البناء. والتسامح في هذا السياق لا يعني التفريط في الحقوق، ولا التغاضي عن الأخطاء، بل يعني الجمع بين العدالة والرحمة، وبين الإنصاف والرغبة الصادقة في ترميم ما تصدّع.
نحن بحاجة إلى تطوير فكرة التسامح لتواكب ظرفنا الراهن؛ تسامحٍ يحمي كرامة الإنسان، ويضع حدوداً واضحة لخطاب الكراهية، ويؤمن بأن الخلاف في الرأي لا يُفسد للوطن قضية. تسامحٍ يُعيد للغة هدوءها، وللنقاش اتزانه، وللمجال العام نقاءه من التحريض والتجريح. فالكلمة قد تبني وطناً، وقد تُشعل ناراً، والمسؤولية الأخلاقية تحتم علينا أن نختار البناء لا الإحراق.
خارطة الطريق تبدأ من الذات: من مراجعة خطابنا اليومي، ومن رفضنا لأي تعميم يختزل جماعة كاملة في خطأ أفراد، ومن إصرارنا على أن المواطنة هي المظلّة الجامعة التي تسبق كل انتماء ضيّق. وتكتمل هذه الخارطة عبر مؤسسات عادلة، وسياسات تُرسّخ المساواة، وتعليمٍ يُنشئ أجيالاً تتقن فنّ الحوار وتحترم حق الاختلاف.
إن التسامح قوة هادئة، لا صخب فيها ولا ادعاء. هو قدرة على ضبط النفس حين يعلو الغضب، وعلى تقديم الحكمة حين يتكاثر الضجيج، وعلى تحويل الألم إلى درسٍ أخلاقي يدفعنا إلى مستقبلٍ أصفى. وبقدر ما نُرسّخ هذه الثقافة في الضمائر والأنظمة والمؤسسات، نقترب من سودانٍ يتّسع للجميع، ويصون كرامة الجميع، ويمنح أبناءه فرصة أن يحلموا من جديد بوطنٍ آمنٍ متصالحٍ مع ذاته، راسخٍ في تنوّعه، جميلٍ في إنسانيته.

الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى