بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : لماذا يفضل بعض الناس التبرع للأفراد بدلاً من المنظمات الخيرية؟

يُعد العمل الخيري من أقدم مظاهر التضامن الإنساني في المجتمعات البشرية، وهو تعبير عن قيم الرحمة والتكافل والمسؤولية الاجتماعية تجاه الفئات الأكثر حاجة. وفي المجتمعات العربية والأفريقية، بما في ذلك المجتمع السوداني، يحتل العطاء مكانة خاصة في الثقافة الاجتماعية والدينية، حيث ترتبط به مفاهيم الزكاة والصدقة والوقف والتكافل بين أفراد المجتمع. ومع ذلك، يلاحظ في كثير من الأحيان أن بعض الناس يفضلون تقديم المساعدة مباشرة للأفراد المحتاجين بدلاً من التبرع عبر المنظمات الخيرية والمؤسسات الإنسانية. وهذه الظاهرة تطرح تساؤلات مهمة حول أسبابها ودلالاتها الاجتماعية والنفسية، وما إذا كانت تعكس ضعفاً في الثقة بالمؤسسات أو مجرد تفضيل لطريقة تقليدية في العطاء.
أحد أهم العوامل التي تفسر هذا السلوك هو عامل الثقة. فالمتبرع غالباً ما يريد أن يكون مطمئناً إلى أن المال أو المساعدة التي يقدمها قد وصلت فعلاً إلى مستحقيها. وفي بعض الحالات، قد تنتشر في المجتمع روايات أو شائعات عن سوء إدارة بعض المؤسسات الخيرية أو ضعف الرقابة عليها، مما يجعل بعض الناس يترددون في تقديم تبرعاتهم عبر قنوات مؤسسية لا يعرفون تفاصيل عملها. لذلك يشعر المتبرع بقدر أكبر من الاطمئنان عندما يقدم المساعدة مباشرة لشخص يعرفه أو لحالة إنسانية يراها بعينيه، لأن هذا يتيح له التأكد من أثر عطائه بشكل مباشر.
إلى جانب عامل الثقة، هناك البعد الإنساني والعاطفي الذي يلعب دوراً مهماً في توجيه سلوك التبرع. فالإنسان بطبيعته يتأثر أكثر بالحالات الفردية التي تحمل قصة واضحة أو معاناة ملموسة. فعندما يرى المتبرع مريضاً يحتاج إلى عملية جراحية، أو أسرة فقدت مصدر رزقها، أو طالباً عاجزاً عن دفع رسوم دراسته، فإن التعاطف الإنساني يكون أكثر قوة وتأثيراً من التبرع لمشروع عام قد لا يرى نتائجه بشكل مباشر. ويشير علماء النفس إلى هذه الظاهرة بما يسمى “تأثير الضحية المحددة”، حيث يكون الناس أكثر ميلاً لمساعدة شخص محدد يمكن تخيل معاناته، مقارنة بالمساهمة في برامج عامة يستفيد منها عدد كبير من الأشخاص دون معرفة قصصهم الفردية.
كما تلعب الثقافة الاجتماعية التقليدية دوراً مهماً في هذا السياق. ففي كثير من المجتمعات، خاصة في السودان والعديد من البلدان العربية والأفريقية، يقوم التكافل الاجتماعي تاريخياً على العلاقات الشخصية وشبكات القرابة والجوار. فالعائلة الممتدة والجيران والأصدقاء وزملاء العمل يشكلون شبكة دعم اجتماعي يتبادل أفرادها المساعدة عند الحاجة. وفي مثل هذه البيئات، يصبح التبرع المباشر جزءاً من منظومة القيم الاجتماعية المتوارثة، وليس بالضرورة بديلاً متعمداً للعمل الخيري المؤسسي. بل إن كثيراً من الناس يشعرون بواجب أخلاقي خاص تجاه من يعرفونهم أو يعيشون بالقرب منهم.
ومن العوامل الأخرى أيضاً الرغبة في رؤية الأثر المباشر للمساعدة. فعندما يقدم المتبرع دعماً مباشراً لشخص أو أسرة، فإنه يستطيع أن يرى التغيير الذي أحدثه عطاؤه بشكل واضح وسريع، سواء كان ذلك في علاج مريض أو مساعدة أسرة على تجاوز أزمة مؤقتة. أما التبرع للمؤسسات، فإنه غالباً ما يذهب إلى برامج طويلة الأمد أو مشاريع جماعية قد لا يكون أثرها واضحاً للمتبرع بشكل فوري. ولهذا يفضل بعض الناس العطاء المباشر لأنه يمنحهم شعوراً أقوى بالرضا والاطمئنان.
وفي بعض الحالات قد يكون البعد الاجتماعي أو الرمزي حاضراً أيضاً. فمساعدة شخص معروف في المجتمع قد تعزز الروابط الاجتماعية وتُكسب المتبرع تقديراً أو احتراماً من الآخرين. ومع ذلك، فإن تفسير هذه الظاهرة فقط من زاوية “حب الظهور” أو الرياء لا يعكس الواقع بالكامل، لأن معظم الناس يقدمون المساعدة بدافع إنساني صادق. لكن لا يمكن إنكار أن الاعتبارات الاجتماعية قد تكون حاضرة بدرجات متفاوتة في بعض الحالات.
كما أن ضعف المعرفة بدور المؤسسات الخيرية قد يكون عاملاً إضافياً. فكثير من الناس قد لا يكون لديهم تصور واضح عن كيفية عمل المنظمات الإنسانية أو عن حجم الجهود التي تبذلها في مجالات مثل الصحة والتعليم والإغاثة الإنسانية والتنمية المجتمعية. وعندما لا تكون المؤسسة حاضرة في الوعي العام أو لا تنشر معلومات كافية عن أنشطتها ونتائجها، يصبح من الطبيعي أن يفضل المتبرع الطرق التقليدية التي يعرفها.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن التبرع المباشر أفضل دائماً من التبرع المؤسسي. فالمنظمات الخيرية، عندما تعمل بكفاءة وشفافية، تستطيع أن تحقق أثراً أوسع بكثير من الجهود الفردية. فهي قادرة على تنظيم الموارد وتوجيهها بطريقة أكثر عدلاً وكفاءة، والوصول إلى أعداد أكبر من المستفيدين، وتنفيذ برامج طويلة الأمد في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم والأمن الغذائي وتمكين الفئات الضعيفة. كما أن العمل المؤسسي يسمح بتخطيط أفضل للمشاريع الإنسانية ويضمن استمراريتها.
لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين التبرع المباشر والعمل المؤسسي، بل في بناء جسور الثقة بين المجتمع والمنظمات الخيرية. ويتطلب ذلك تعزيز الشفافية المالية، ونشر التقارير الدورية عن الأنشطة والنتائج، وتوضيح كيفية استخدام التبرعات، إضافة إلى إشراك المجتمع في متابعة البرامج الإنسانية. فكلما رأى المتبرع بوضوح كيف تُستخدم مساهماته وما الأثر الذي تحققه، زادت ثقته في العمل الخيري المنظم.
في النهاية، يظل العطاء الإنساني قيمة نبيلة في كل أشكاله، سواء تم عبر المبادرات الفردية أو من خلال المؤسسات الخيرية. غير أن المجتمعات الحديثة تحتاج إلى الجمع بين روح التكافل التقليدي والعمل المؤسسي المنظم، حتى يمكن توجيه الموارد بشكل أكثر كفاءة وعدلاً لخدمة الفئات الأكثر حاجة. فالعطاء المباشر يعبر عن دفء العلاقات الإنسانية، بينما يوفر العمل المؤسسي القدرة على التخطيط والتنظيم والوصول إلى أعداد أكبر من المستفيدين. وعندما يلتقي هذان البعدان، يصبح العمل الخيري أكثر قدرة على إحداث تغيير حقيقي ومستدام في حياة الناس.







