حين تُدار الحروب بالعقوبات: السودان في قبضة هندسة الخراب الناعم

الأستاذ: موسى داؤد
كاتب ومحلل سياسي
مقدمة تحريرية
ليس من الوفاء أن نمرّ على نصٍّ بليغٍ دون أن نحيّي صاحبه، ولا من النزاهة أن نستعير فكرةً دون أن نُعلن فضل من أضاء مسارها الأول. وقد كنتُ من بين كثيرين توقّفوا طويلًا عند مقال الزميلة العزيزة رشان أوشي الموسوم بـ «العقوبات على المصباح وجودة: كيف يعيد الغرب ترتيب المشهد السوداني؟»، ذلك النص الذي كُتب بمهنية عالية وبراعة تحليلية جعلتني أقف عنده كثيرًا، لا قراءةً عابرة بل تأمّلًا متكررًا.
لقد عدتُ إلى مقالها مراتٍ ومرات، لما يحمله من قدرة نادرة على تفكيك ما يجري خلف ستار الدبلوماسية، وعلى التقاط اللحظة السياسية في أكثر مفاصلها حساسية. وقلتُ عنها — ولا أزال — إنها تكتب للصحفيين، كما كان يقول فنانو السودان عن خليل إسماعيل إنه «فنان الفنانين»؛ وهو وصف لا يُمنح إلا لمن يبلغ مقام التأثير في أهل المهنة أنفسهم قبل جمهورها. ذلك التوصيف ليس مجاملة، بل شهادة مهنية على عمق الرؤية ونقاء القلم وجدارة الاشتغال على الفكرة.
ومن هذا المقام أكتب هذا المقال، مستلهمًا ما طرحته الزميلة رشان، لا ناقلًا ولا مكرّرًا، بل محاورًا لفكرتها وموسّعًا لسؤالها في فضاء أرحب من التحليل السياسي والاستراتيجي.
فلكِ يا رشان التحية والتقدير، ونسأل الله أن يحفظك ويوفّقك، وأن يبقى قلمك شاهدًا نزيهًا على هذا الزمن السوداني المربك.
*حين تُدار الحروب بالعقوبات: السودان في قبضة هندسة الخراب الناعم*
في الظاهر يبدو الغرب كمن يبحث عن نافذة يطلّ منها على سلامٍ ممكن في السودان، غير أنّ ما يجري في العمق أقرب إلى كتابةٍ باردةٍ لمصير بلد على رقعة شطرنج دولية؛ حيث لا يُسمح للقطع أن تسقط، ولا يُسمح لها أن تنتصر، بل تُحرَّك فقط لتبقى اللعبة حيّة ويظل النزيف مفتوحًا في جسد الدولة. فهذه ليست حربًا يُراد لها أن تنتهي، بل صراعٌ يُراد له أن يُدار، وأن يُضبط إيقاعه كما تُضبط سيمفونية حزينة لا يُسمح لها أن تبلغ خاتمتها.
إنهم لا يسعون إلى إسكات البنادق، بل إلى تنظيم أصواتها بحيث تبقى قابلة للتوظيف السياسي والضغط الاستراتيجي. ولهذا تتحرّك الدبلوماسية الغربية بوجهين متقابلين: تهديدٌ من جهة، ومهادنةٌ من جهة أخرى؛ تلوّح بالعقوبات في وجه الدولة، وتترك الأبواب الخلفية مفتوحة مع وكلاء الفوضى وداعميهم الإقليميين، فتتحول البلاد إلى ممرٍّ دوّار تدخل منه القوى وتخرج، من غير أن يُغلق باب الصراع ولا تُطفأ جذوته.
وفي هذا المشهد تصبح العقوبات لغةً أخرى من لغات السيطرة؛ ليست أخلاقية ولا قانونية، بل هندسية، تُعيد رسم خرائط الداخل، وتضع إشارات على الوجوه والأسماء لتقول: هذا يصلح للشراكة، وهذا يجب أن يُعزل. فحين يُستهدف المصباح طلحة أبو زيد أو الأمير الطيب جودة، لا يكون المقصود شخصيهما بقدر ما يكون المقصود الموقع الذي يحتلانه في معادلة القوة. فالعقوبة هنا ليست جزاءً، بل ختمًا سياسيًا يفرز من يُراد له أن يكون جزءًا من الغد، ومن يُراد له أن يُقصى عن مسرح ما بعد التسوية.
إنها عملية نحتٍ بطيئة للنخبة التي ستوقّع، وتُدار، وتُستخدم لتجميل اتفاقات كُتبت خارج حدود الوطن.
وهكذا تُدار اللعبة بمنطق الجزرة والعصا: وعودٌ بالانفتاح والاعتراف مقابل الطاعة، ولوائحُ بالعقوبات والتجفيف المالي لمن يخرج عن النص. وكل ما نشهده اليوم ليس إلا فاتحة لمسار أطول سيطال كل من يُشتبه في أنه يملك إرادة مستقلة أو قدرة على تعطيل التسوية القادمة، تلك التي يُراد لها أن تُعيد تموضع الدعم السريع في جغرافيته الاجتماعية، ليُولد من جديد لا كميليشيا متمردة، بل كقوة أمر واقع، ذراعٍ مسلّحٍ خارج منطق الدولة.
وفي هذه اللحظة لا يكون السلام سوى استراحة محارب في حرب لم تنتهِ، بل أُعيد توزيعها على الأطراف، ليبقى المركز ضعيفًا، معلّقًا بخيوط الخارج، لا ممسكًا بمصيره.
غير أن الفاجعة الأكبر لا تأتي فقط من هندسة الغرب، بل من قابلية الداخل نفسه للاختراق. حين تتشظّى الإرادة، وتتعدد مراكز القرار، ويغيب الصوت الوطني الجامع، تصبح العقوبات رصاصًا داخليًا يُطلقه السوداني على أخيه، وتتحول التسويات إلى سكاكين ناعمة تُغرس في ظهر السيادة. فبدل أن تكون المعركة مع الخارج، تصبح صراعًا بين أبناء الداخل على من يحظى برضى الخارج ومن يُلقى خارج الحلبة. وهنا يفقد الوطن صورته الجامعة، ويتحوّل إلى أرخبيل من المصالح المتصارعة.
والسودان اليوم يقف على حافة اختيار وجودي: إمّا أن يستعيد ذاته كدولة تملك مركزًا واحدًا للعنف والقرار، وإمّا أن يظل كيانًا مكسورًا تُدار حروبه من غرف التفاوض وتُضبط أزماته ببيانات العقوبات. هذه اللحظة لا تحتمل التردّد، بل تحتاج إلى وعيٍ سيادي يعيد تعريف المصلحة الوطنية خارج غواية السلطة وخارج منطق الحرب، إلى سردية سودانية خالصة تقول للعالم: نحن أصحاب هذا المصير. فإن لم تُكتب هذه السردية بأيدينا، ستُكتب بأقلام غيرنا، وسيظل السودان ساحةً تُستنزف فيها الإرادات بدل أن يكون وطنًا يصنع إرادته ويقف في معادلة العالم بقدمين ثابتتين وقلبٍ لا يُساوم.








