رأي

د.ندى يحيى محمد ادم.. تكتب :الهشاشة المتبادلة في الصراع الأمريكي الإسرائيلي _ الإيراني

الهشاشة المتبادلة في الصراع الأمريكي الإسرائيلي _ الإيراني

د ندى يحيى محمد ادم

الهشاشة تعنى قابلية الشي للكسر او ضعفه، وقد تستخدم في علم السياسة للإشارة الى ضعف البنية الداخلية للدولة او التأثير السريع للدولة بالأزمات او الضغوط التي تحدث سوا في الساحة الإقليمية او الدولية، او انكماش الدولة امام التهديدات سواء كانت داخلية او خارجية.

كل طرف في الصراع قد يبدو ظاهريا قويا لكنة في الحقيقة حساس جدا لأي تصعيد غير محسوب او خطاء في الحسبان فقد يبقى عرضة لخسائر امنية او سياسية الاقتصادية او حتى بشرية اذا ما استمرت الهجمات او توسع التصعيد

إن تعدد اشكال المواجهة في الصراع الأمريكي الإسرائيلي _ الإيراني من مواجهه عسكرية مباشرة الى حرب الظل والمواجهات السيبرانية والاستخباراتية او حتى أسلوب الضغط السياسي والإعلامي لا يعنى قوة مطلقة للدولة بل هشاشة اكبر اذا تم استخدامها بسوء وكلما تعددت وكثرت ساحات المواجهة زادت احتماليات الخطاء والتقدير واتسعت دائرة الانكشاف الأمني والسياسي والاقتصادي وفى مثل هذا الصراع قد تتحول أدوات القوة الى مصدر هشاشة لان إي عملية عسكرية يقوم بها إي طرف قد تستدعى ردودا أوسع ، والحرب بالوكالة قد تنتقل الى مواجهات مفتوحة وتضم العديد من الأطراف للدخول في هذا الصراع

اثبت تجربة الصراع الأمريكي الإسرائيلي _ الإيراني ان الرد في صورته التقليدية (الضربة بالضربة) لم يعد كافيا لكبح جماع التصعيد فالتصعيد لا يبقى محصورا في قواعد الاشتباك فقط بل يفتح الأبواب على دوائر أوسع من المواجهة قد تمتد لتشمل استهداف مصالح حيوية استراتيجية وتأثير بالغ في أسواق الطاقة وتهديد للممرات البحرية، وقد ظهرت الهشاشة في التأثير المباشر على الدول بأغلاق مضيق هرمز والتضيق على الملاحة فيه، اذ يعتبر مضيق هرمز الشريان البحري الذي تتحرك عبرة تدفقات النفط والسلع وسلاسل الامداد العالمية.

وتظهر الهشاشة بصورة مباشرة في الشرق الأوسط امنيا واقتصاديا وسياسيا لان دوله تقع في قلب الازمة وإن قرار اغلاق مضيق هرمز أدى الى تهديد الملاحة لهذه الدول وعلى صادراته من النفط وانتقال التوتر الى داخل هذه الدول مما أدى الى زعزعة استقرار وامن الكثير من دول المنطقة خاصة الخليج العربي.

اما في قارة اسيا فدول مثل الصين واليابان والهند نجدها تعتمد على النفط الذي يأتي عن طريق مضيق هرمز فالهشاشة هنا تأخذ طابعا اقتصاديا في الأساس إي ان الحساسية هنا مرتبطة بسلاسل الامداد أكثر من ارتباطها بعامل الجغرافيا.

وفى اوروبا فالقارة ليست على تقارب جغرافي مع منطقة الصراع لآكنها تتأثر باي تأثير يحدث للطاقة العالمية فحساسية القارة مرتبطة بارتفاع تكلفة النفط والغاز وتفاقم التضخم واضطراب الشحن والتامين فان إثر الازمة يأتي اليها عبر الأسواق الدولية وليست عبر الممر نفسه.

اظهر الصراع الأمريكي الإسرائيلي _الإيراني ان الهشاشة لاتقف عند حدود اطراف الصراع فقط بل تتعداهم لتصيب اطراف الصراع انفسهم ، فكل جولة تصعيد للولايات المتحدة تضعها امام معادلة شديدة الحساسية امنيا واقتصاديا وسياسيا فالمواجهة تستنزف مواردها وتربك حساباتها ، فالاكتفاء بالرد المحدودة قد يفهم على انه تراجع لهيبة وقدرة الدولة العظمى ، وقد ظهرت الهشاشة اكثر في اغلاق مضيق هرمز وهو الامر الذى ادى الى عدم استقرار اسواق الطاقة العالمية اذ لم يعد الامر شأنا إقليميا فحسب بل تعداه ليصبح عبئا دوليا قد تنعكس اثارة على الاقتصاد الأمريكي وعلى صورة الولايات المتحدة نفسها إضافة الى رفض الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي للحرب ، فقد كشفت الاستطلاعات عن انقسام حاد للراي العام الأمريكي فالديمقراطيون والمستقلون يميلون لرفض الحرب بينما الجمهوريون اكثر ميلا لها ، وكما اظهرت استطلاعات الراي في بريطانيا وعدة دول اوربية على ان الأغلبية الشعبية تعارض الضربات ضد ايران ، وهنا ربما يتحول ضغط الراي العام الأمريكي والعالمي اذا ما طال امد الحرب الى عامل هشاشة في موقف الإدارة الامريكية والتأثير على قدراتها على اتخاذ قرار الحرب بحرية كاملة واي تصيد قد يكون اكثر كلفة داخليا وسياسيا ، وكلما زادت الانتقادات الدولية وخاصة اوروبا أصبحت الإدارة الامريكية اقل قدرة على الاستمرار في مواصلة الحرب ، وهنا قد تظهر قوة الرأي العام المحلى عندما يلتحم مع الراي العام العالمي للمطالبة بإيقاف الحرب كما حدث في حرب فيتنام (1965_1975) وتم الضغط على الإدارة الامريكية وتم اصدار الامر بإنهاء الحرب .

في صورة قلق امنى دائم تنعكس هشاشة الصراع على إسرائيل لان إي تصعيد للصراع معها سوف يفتح احتمال اتساع الضربات الى العمق الإسرائيلي وارتباك منظومة الدفاع التي تقوم عليها العقيدة الأمنية، فرغم ما تتمتع به إسرائيل من تفوق تقني وعسكري تبقى شديدة الحساسية والهشاشة تجاه إي اختراق يصيب منظومتها الدفاعية ويهدد مجتمعها او أسواقها وامنها الداخلي

اما هشاشة إيران فتظهر في الضغوط التي تتعرض لها داخل بيئتها الداخلية بدا من العقوبات الامريكية المفروضة عليها والحصار السياسي الذي تتعرض له، رغم قدرتها على الرد والمناورة الا نها تجد نفسها شديدة الحساسية عندما تتعرض منشئاتها الحيوية للضرب وتعطيل صادراتها وتدمير بيئتها التحتية وهذا يظهر مدى انكماشها امام الاستنزاف واطالة امد الصراع.

تظهر هشاشة قارة افريقيا بان الصراع الأمريكي الإسرائيلي _ الإيراني بوصفة عامل مساعد ومضاعف لازمات القارة فنجد دول القارة اكثر انكماشا ووضحوا امام العقبات الاقتصادية والأمنية والسياسية وحتى المناخية ، فكل اضراب يحدث في إي منطقة في العالم يظهر تأثيره بسرعة على المجتمعات الفقيرة والضعيفة ، فتأثير ارتفاع اسعار الطاقة وتعطيل حركة الممرات البحرية العالمية واضطراب التجارة ومشاكل النزوح وتفشى الامراض المزمنة يؤدى الى تفاقم الصراعات وهشاشة الدول في القدرة على الصمود في مواجهة الاضطرابات والأزمات العالمية .

من هنا يتضح ان الصراع الأمريكي الإسرائيلي _ الإيراني لم يعد مجرد مواجهه إقليمية أطرافها ثلاث قوى بل تحول الى عامل اضطراب امتدت اثارة عالميا الى التأثير في امن الطاقة وسلاسل الامداد العالمية وحركة التجارة وأسواق المال والتأثير على دول اوروبا واسيا وافريقيا وزعزعة امن واستقرار دول الشرق الأوسط ، فكل تصيد يحدث للصراع يثبت لنا ان اثرة يمتد ليشمل دولا أخرى إي ان العالم اصبح مترابطا ببعضه البعض وان إي شرارة تشتعل في منطقة من العالم قد تتحول الى منطقة أوسع وتتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة لتأثر وتصيب الاقتصاد الدولي وتربك حسابات الدول الاستراتيجية ، ويظهر هنا ان الصراع لم يعد شئنا ثلاثيا بل اصبح عبئا عالميا بمس جميع دول العالم بدرجات متفاوتة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى