رأي

عمرو خان يكتب :السودان بين الاستنزاف العسكري والمجهول السياسي: إلى متى؟

عمرو خان يكتب :السودان بين الاستنزاف العسكري والمجهول السياسي: إلى متى؟

 

عندما أتابع المشهد في السودان، أجد نفسي مقتنعًا أكثر بأن ما يجري ليس مجرد صراع مسلح بين القوات المسلحة السودانية وميليشيات الدعم السريع، بل هو حرب استنزاف طويلة الأمد، تستهدف إنهاك الدولة بكل مكوناتها. هذه الحرب لم تعد تدور حول انتصار طرف على آخر، بل حول إطالة أمد القتال إلى أقصى حد ممكن، وكأن الهدف هو استنزاف البلاد بالكامل، عسكريًا واقتصاديًا وإنسانيًا.

 

الهجوم الذي وقع في أم درمان في الأول من فبراير 2025، وأسفر عن مقتل 54 شخصًا وإصابة 158 آخرين، لم يكن مجرد عملية عسكرية بقدر ما كان انعكاسًا لنهج جديد تتبعه المليشيات: ضرب أهداف مدنية كلما شعرت بالتراجع في الميدان. هذا الأسلوب في القتال ليس فقط دليلًا على فقدانها السيطرة على العديد من ارتكازاتها العسكرية، بل هو أيضًا جزء من استراتيجية الاستنزاف، حيث يتحول القتال إلى ضربات متبادلة تستنزف الجميع، دون أي أفق لحسم نهائي.

 

لكن لماذا أرى أن هذه الحرب استنزافية؟ لأنني أرى كيف يتم استنزاف كل شيء:

 

1. استنزاف للوقت: الحرب دخلت عامها الثاني، وكلما طال أمدها، زادت تعقيداتها وأصبحت الحلول أبعد. الزمن الذي يُهدر في القتال كان يمكن أن يُستثمر في إعادة بناء السودان، ولكن بدلاً من ذلك، يُستهلك في صراع عبثي لا منتصر فيه.

 

2. استنزاف للموارد: السودان بلد غني بالموارد الطبيعية، ولكن هذه الحرب جعلت استغلالها أمرًا مستحيلًا. البنية التحتية تتعرض للدمار، والاقتصاد ينهار، والأسواق تتحول إلى أهداف عسكرية. كل طرف يحاول السيطرة على مصادر التمويل، ولكن الحقيقة أن الجميع يخسر، لأن لا تنمية يمكن أن تنجح في ظل هذا الخراب.

 

3. استنزاف للبنية التحتية: الطرق، الجسور، شبكات الكهرباء، المستشفيات، وحتى الأسواق لم تسلم من الدمار. المرافق التي بُنيت على مدار عقود تُدمر في لحظات، ما يجعل إعادة الإعمار أكثر صعوبة، ويدفع السودان سنوات إلى الوراء.

 

4. استنزاف للاستقرار والتنمية: حتى لو توقفت الحرب اليوم، فإن تبعاتها ستظل لسنوات. ملايين النازحين، انهيار الخدمات الصحية والتعليمية، انتشار الفقر والمجاعة، كلها نتائج تجعل الاستقرار والتنمية أهدافًا بعيدة المنال.

 

بالإضافة إلى ذلك، تتزايد التداعيات الخارجية للحرب، حيث تعاني دول الجوار من موجات اللاجئين وتراجع حركة التجارة. كما أن المجتمع الدولي يراقب السودان من زاوية الإرهاب وأمن البحر الأحمر، مما يضيف تعقيدات أخرى للأزمة.

 

ومع ذلك، لا أرى أي تحركات حقيقية لإنهاء هذا الاستنزاف. التحركات الدبلوماسية، مثل لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنظيره الكيني ويليام روتو، تُظهر وعيًا إقليميًا بخطورة الموقف، وأيضًا تبعث برسالة إلي المجتمع الدولي وخاصة الإقليمي بضرورة وحتمية التدخل المشروع لوقف النزيف.

 

في النهاية، السؤال الذي يؤرقني هو: إلى متى؟ إلى متى سيبقى السودان غارقًا في هذه الدوامة؟ إلى متى سيستمر هذا الاستنزاف الذي يلتهم كل شيء؟ إذا لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية لإيقاف هذه الحرب، وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي بجدية، فإن السودان قد يصبح نموذجًا آخر لدولة انهارت بفعل حرب لا أحد يستطيع تبرير استمرارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى