رأي

منتصف الطريق …ستيفن لوال

السياسي الذي عاش في عصور متعددة !!

منتصف الطريق (8)

السياسي الذي عاش في عصور متعددة !!

كاستيلو يطالب بفترة انتقالية يبداء ب5 إلى عشره سنوات “رؤية تستبق الزمن”

 

في ليلة دافئة من ليالي الخرطوم وبينما كنت منشغلًا في أعمالي اليومية تلقيت اتصالًا غير مجرى حياتي المهنية. كان الدكتور بشخصيته المميزة وحضوره المتميز يطلبني للحضور إلى دبي على وجه السرعة. لم أكن أعلم أن هذا اللقاء سيكون البداية الفعلية لمشواري في العمل الإعلامي والتنظيمي.

 

استلمت تذكرة السفر وحدد موعد الرحلة في نفس اليوم. أقلعت الطائرة من مطار الخرطوم مساءً متوجهة إلى دبي على متن فلاي دبي. كانت الرحلة مليئة بمشاعر الحماسة والترقب إذ لم يكن في ذهني سوى فكرة اللقاء بهذه الشخصية الوطنية الفريدة في تقديري.

 

وصلت إلى دبي عند الساعة 11 مساءا وكنت على موعد مع كاستيلو في فندق “غرفنا” عند الساعة العاشرة صباحًا بتوقيت الإمارات. فور وصولي اتصلت بالدكتور إلا أنه اقترح أن أحصل على قسط من الراحة ونلتقي في اليوم التالي في مقر اقامته( مدينة مارينا). لم أمانع .. فقد كنت مرهقًا بالفعل بعد رحلة طويلة لم أتمكن خلالها من النوم بشكل كاف.

 

في اليوم التالي وفي تمام الموعد تحديدا الساعة العاشرة صباحا توجهت إلى مدينة مارينا. كان المكان ينبض بالفخامة والهدوء وهناك في غرفة استقبال مخصصة لكبار الشخصيات التقيت بالدكتور كاستيلو قرنق. كان حضوره مميزًا وحديثه يشع بالثقة والخبرة. بدأنا نقاشنا حول العمل الإعلامي وبدأت أدرك أنني أمام شخصية تحمل إرثًا تاريخيًا وسياسيًا عظيمًا.

 

ثم واصلت بشكل مباشر و بدأت اخطط لنقل أخباره وأنشطته بالشكل الذي يليق بمكانته. جمعت فريقًا محترفًا من الصحفيين والمصورين في دبي وبدأنا العمل على تسجيل لقاء تلفزيوني يبث عبر قناة الشروق السودانية كان اللقاء يديره بحنكة الإعلامية المميزة “أستاذة لينا يعقوب” حيث استعرض الدكتور دوره كرئيس للحركة الوطنية لجنوب السودان.

 

لم يكن هذا مجرد لقاء عابر بل كان بداية لسلسلة من الحوارات الصحفية المطولة التي نشرتها لاحقًا بشكل متسلسل في الصحف السودانية.

 

ما زلت أتذكر جيدًا تلك اللحظات حينما بدأ الدكتور كاستيلو يسرد لي تفاصيل حياته الغنية بالذكريات. تحدث عن والده السلطان رينج لوال . ساتحدث عن (قصة والده في وقت لاحق) .

اضافة الى دوره البارز في حزب الحركة الشعبية لتحريرالسودان. كان يأخذني عبر حديثه إلى عالم السياسة السودانية القديمة أيضا حيث تذكر كيف كان يرافق والده في لقاءاته مع شخصيات سودانية بارزة مثل الزعيم إسماعيل الأزهري والمهدي و آخرون من القيادات السودانية العتيقة.

 

الدكتور كاستيلو كان أكثر من مجرد سياسي كان شاهداً على أزمنة مختلفة. تحدث عن علاقته بالأمير بابو نمر ودوره في الحركة الشعبية وعن صداقته مع الدكتور جون قرنق دي مبيور. كانت كلماته تأخذني إلى أعماق التاريخ حيث السياسة والزعامة تتداخلان مع الحياة اليومية لتصنع شخصية تجمع بين الحنكة والإنسانية.

 

كان اللقاء مع الدكتور كاستيلو في دبي بداية لتجربة غنية فتحت أمامي آفاقًا جديدة في الإعلام والتنظيم. كان هذا اللقاء ليس فقط فرصة مهنية بل درسًا عميقًا في التاريخ والسياسة وفي فهم الدور الحقيقي للقيادة الوطنية.

 

في لحظة مليئة بالتأمل و انا اجري معه ذلك اللقاء سألته بفضول عما يراه مناسبًا بشأن الفترة الانتقالية المقترحة بثلاث سنوات. توقعت إجابة تقليدية لكنه كعادته فاجأني برؤية عميقة تخترق الواقع.

 

رد على بهدوء وكأنه يزن كلماته بعناية “الفترة الانتقالية يجب أن تكون أطول ما بين خمس إلى عشر سنوات… مضيفا ثلاث سنوات ليست كافية لإعادة بناء جيش وطني أو حتى تحقيق الاستقرار المنشود في جنوب السودان”

 

كانت نبرة صوته حازمة لكنها لا تخلو من الحكمة. لم تكن كلماته مجرد رأي عابر بل كانت رؤية تستند إلى واقع معقد. شعرت أن حديثه يعكس فهمًا عميقًا للتحديات كأنه يرى أمامه لوحة الزمن بكل تفاصيلها.

 

حينها لم أملك سوى التفكير في مدى منطقية كلامه. والآن بعد مرور السنوات أدركت أن كلماته لم تكن مجرد تكهنات فقد تجاوزنا بالفعل ست سنوات منذ توقيع على إتفاقية السلام المعاد تنشيطها في عام 2018 . ما قاله آنذاك كان أشبه بنبوءة رؤية استبقت الأحداث وأثبتت أن الحكمة الحقيقية تكمن في فهم التفاصيل الصغيرة التي تشكل المستقبل.

يتبع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى