بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :السودان تحت المجهر.. صراع الإرادات بين الداخل والخارج

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :السودان تحت المجهر.. صراع الإرادات بين الداخل والخارج
قبل أيام، تلقيت من الدكتور حسن موسى يوسف مقالاً كان قد شرع في كتابته، وذيّله برسالة لطيفة يقول فيها: “صديقي بكري، أكمل هذا المقال… أنا والله نعست وعاوز أنوم شوية.”
ولعله قال ذلك ظنًا منه أنني أحسن الكتابة، فقلت له ممازحًا: “يا رجل، إذا قال لك أحد إنك سمين، فقل آمين!”
واستجابةً لطلبه الكريم، أضع بين أيديكم، سيداتي وسادتي القراء، هذا المقال بعد أن أتممت ما بدأه، راجيًا أن أكون عند حسن ظن أخي الدكتور حسن. فأقول، مستمدا العون من العليم الحكيم:
يُمثّل المشهد السياسي في السودان اليوم حالة معقدة من التداخل بين العوامل الداخلية والتأثيرات الإقليمية والدولية. فمنذ سقوط نظام الإنقاذ، دخل السودان في مرحلة انتقالية اتسمت بالهشاشة، وبرز فيها صراع محتدم بين قوى وطنية تسعى لبناء مشروع سياسي مستقل، وأخرى تحاول إعادة تشكيل السلطة وفق أجندات خارجية تتجاوز الاعتبارات الوطنية.
أولاً: إخفاقات ما بعد الإنقاذ وفراغ السلطة:
أدى سقوط نظام الإنقاذ في عام 2019 إلى فراغ سياسي كبير لم تتمكن القوى المدنية والعسكرية من ملئه بصورة فعّالة. وقد تميزت المرحلة الانتقالية بقدر كبير من الارتباك المؤسسي، وبتنازع المصالح بين مكونات السلطة، إضافة إلى غياب مشروع وطني متماسك يضبط إيقاع المرحلة الجديدة. هذا الوضع فتح الباب واسعًا أمام تدخلات خارجية سعت إلى توجيه بوصلة الانتقال وفق رؤى لا تنبع من الواقع السوداني بقدر ما ترتبط بمصالح إقليمية ودولية¹.
ثانيًا: الاتفاق الإطاري كأداة لإعادة تشكيل السلطة:
في ظل الإخفاقات السياسية والاقتصادية التي تلت سقوط النظام السابق، برز ما يُعرف بـ”الاتفاق الإطاري” بوصفه محاولة لإعادة ترتيب المشهد الانتقالي. غير أن الاتفاق لم يُطرح كخيار وطني جامع، بل كخيار اضطراري ثنائي، تم تقديمه كبديل وحيد أمام خيار الحرب. وقد مثّلت هذه الثنائية المغلقة تعبيرًا عن منطق الإكراه السياسي الذي يعكس فشل النخب في الوصول إلى حلول توافقية ذات قاعدة اجتماعية واسعة². كما أن الاتفاق جاء في سياق إقليمي ودولي كانت فيه بعض الأطراف تراهن على تفوق قوة شبه عسكرية معينة، ما يُفسَّر باعتباره محاولة لاستباق الهيكلة السياسية المستقبلية عبر السيطرة على مراكز القرار³.
ثالثًا: الانفجار العسكري وتحولات الموقف الشعبي:
مع اندلاع المواجهة المسلحة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بدا جليًا أن الرهانات على الحسم العسكري لصالح طرف دون آخر لم تكن سوى تقديرات خاطئة. فقد أظهرت الأحداث قدرة الشارع السوداني على التفاعل مع اللحظة التاريخية، من خلال تأييد واسع لمؤسسات الدولة الرسمية، ورفض متصاعد لأي مسار يستند إلى القوة خارج الشرعية الدستورية⁴. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الصراع تحوّل من صراع على السلطة إلى معركة دفاع عن الدولة الوطنية⁵.
رابعًا: مؤتمر لندن وإعادة تموضع القوى الخارجية:
في ظل التراجع الميداني لقوات الدعم السريع، وتصاعد حالة المقاومة الوطنية، ينعقد “مؤتمر لندن” كمحاولة لإعادة إنعاش المشروع السياسي المرتبط بتلك القوة، أو على الأقل لضمان وجودها في أي تسوية مستقبلية. يعكس هذا المؤتمر توجّهًا دوليًا نحو تدارك الفشل عبر أدوات الدبلوماسية الدولية، لكن من غير الواضح حتى الآن مدى قدرة مثل هذه الفعاليات على تغيير معطيات الواقع في الداخل، لا سيما في ظل تنامي الوعي الشعبي ورفض أي حلول تُفرض من الخارج دون توافق وطني شامل⁶.
وبناء علي ما تقدم يمكن القول بانه لم تعد الإشكالية في السودان محصورة في مسألة من يتولى السلطة، بل في كيفية بناء سلطة وطنية تعكس الإرادة الشعبية وتحمي الدولة من التفكك والارتهان. إن أي محاولة لحل الأزمة دون الاعتراف بالحقائق الوطنية الجديدة ودون إشراك كافة الفاعلين المحليين ستظل مجرد محاولات شكلية قد تؤدي إلى إطالة أمد الصراع، لا إلى إنهائه.








