موسى داؤد يكتب : بين هدير السلاح وهمس الدبلوماسية: هدنةٌ تُناور الزمن وتختبر خرائط النفوذ

في عالمٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض فقط بالرصاص، بل تُدار كذلك على طاولات المساومة وممرات الدبلوماسية الخفية، يجيء إعلان دونالد ترامب تعليق العمليات العسكرية لمدة أسبوعين، كإشارةٍ لا يمكن قراءتها بمعزلٍ عن تعقيدات المشهد الدولي وتشابكات المصالح الكبرى. إنها ليست مجرد هدنةٍ عابرة، بل لحظةٌ مُكثّفة تختبر فيها القوى الفاعلة حدود النفوذ، وتعيد عبرها صياغة إيقاع الصراع بلغةٍ أكثر حذرًا ودهاءً.
في هذا السياق، بدا ترحيب حكومة السودان خطوةً محسوبةً بعناية، تعكس نضجًا في قراءة التحولات، وإدراكًا عميقًا بأن السياسة—في جوهرها—فنُّ التقاط الفرص في زمن الاضطراب. فالبيان الذي وصف الخطوة بأنها بادرة إيجابية نحو التهدئة، لم يكن مجرد توصيفٍ إنشائي، بل تعبيرًا عن رغبةٍ كامنة في إعادة الاعتبار لمسارٍ دبلوماسيٍ طال تهميشه تحت وقع البنادق.
غير أن ما يضمره هذا الترحيب يتجاوز ظاهر الكلمات؛ إذ يكشف عن وعيٍ استراتيجيٍ بأن الهدن المؤقتة، رغم هشاشتها، تُمثّل في كثيرٍ من الأحيان نقاط انعطافٍ حاسمة، تُستخدم لإعادة ترتيب الأوراق، وقياس ردود الفعل، وإعادة تموضع الفاعلين في رقعةٍ دوليةٍ لا تعرف الثبات. فالهدنة هنا ليست نهايةً للصراع، بل استراحةٌ تكتيكية في مسارٍ طويلٍ من شدّ الحبال.
ومن زاويةٍ أعمق، يمكن قراءة هذه الخطوة بوصفها اختبارًا مزدوجًا: اختبارٌ لجدية القوى الدولية في الانتقال من منطق التصعيد إلى منطق التسوية، واختبارٌ في الوقت ذاته لقدرة الفاعلين الإقليميين—وفي مقدمتهم السودان—على استثمار هذه اللحظة بما يخدم مصالحهم الوطنية، دون الانجرار خلف إملاءاتٍ خارجية قد تُعيد إنتاج الأزمة في صورٍ أكثر تعقيدًا.
السودان، بحكم موقعه الجيوسياسي الحساس، لا يقف على هامش هذه المعادلة، بل في قلبها. فهو يدرك أن أي تحولٍ في ميزان التهدئة أو التصعيد سينعكس مباشرةً على أمنه واستقراره، وأن الانخراط الإيجابي في مثل هذه المبادرات يمنحه هامشًا أوسع للمناورة، ويُعزز من حضوره كفاعلٍ لا كمفعولٍ به في مسرح الأحداث.
لكن، ورغم ما تحمله الهدنة من إشاراتٍ واعدة، فإن القراءة الواقعية تفرض قدرًا من التحفّظ؛ فالتاريخ القريب يُعلّمنا أن كثيرًا من الهدن وُلدت تحت ضغط اللحظة، ثم سرعان ما تلاشت حين اصطدمت بجدار المصالح المتضاربة. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في إعلان الهدنة ذاته، بل في ما إذا كانت ستتحول إلى مسارٍ تراكمي يُفضي إلى تهدئةٍ مستدامة، أم أنها ستظل مجرد فاصلةٍ قصيرة في نصٍ طويل من الصراع.
في المحصلة، يبدو المشهد وكأنّه رقصةٌ دقيقة على حافة التوازن: بين رغبةٍ دوليةٍ في احتواء التوتر، وحساباتٍ معقدة تُبقي جذوة الصراع مشتعلة تحت الرماد. وبين هذا وذاك، يختار السودان أن يرحب—لا بوصفه متفرجًا—بل كفاعلٍ يسعى إلى تحويل اللحظة إلى فرصة، والهدنة إلى مدخلٍ محتملٍ لسلامٍ طال انتظاره.
إنها لحظةٌ تختبر ليس فقط صدقية النوايا، بل أيضًا قدرة السياسة على أن تنتصر، ولو مؤقتًا، على منطق القوة… وأن تُعيد للغة الحوار شيئًا من هيبتها المفقودة في زمن الضجيج.
موسى داؤد – كاتب صحفي ومحلل سياسي








