رأي

د. أيمن عبدالعزيز محمود عيسى يكتب : عندما يُصبح القرآن وجهةَ الأرواح: في فلسفة الصحبة التي تُنير الطريق إلى الله

﴿ لَّقَدۡ أَضَلَّنِی عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَاۤءَنِیۗ ﴾
سورة الفرقان: 29

ثمّة آياتٌ إذا قُرئت مرّت على السمع، وثمّة آيات إذا لامست القلب فتحت أبوابًا من التأمل لا تنغلق؛ وهذه الآية من ذلك الصنف الذي يوقظ البصيرة ويعيد ترتيب العلاقات والمعاني. إنّها لحظة اعتراف في مشهد من مشاهد الآخرة، يقف فيها الإنسان أمام حقيقةٍ لم يكن يراها كاملة في الدنيا؛ حقيقة أن بعض الخسارات لا تبدأ من سقوطٍ ظاهر، وإنما من صحبةٍ غيّرت اتجاه القلب حتى ابتعد عن الذكر بعد أن جاءه.

والتعبير القرآني يحمل من العمق ما يجعل الوقوف عنده ضرورة: «أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي»؛ فالذكر قد حضر، والنور قد وصل، والهداية قد طرقت الباب، غير أنّ يدًا أخرى امتدت لتصرف القلب عن وجهته، وتزيّن له مسالك الغفلة حتى صار البعيد قريبًا، وصار الانقطاع عن الوحي أمرًا مألوفًا.

ومن هنا يتجلّى الرابط العظيم بين الصحبة والقرآن؛ فالصحبة في التصور الإيماني ليست مجرّد اجتماع أجساد أو تقاطع مصالح أو توافق أذواق، وإنما طريقٌ تتشكّل عبره القلوب، وتُصاغ داخله الميول، وتُبنى فيه المقاييس التي تُحدِّد إلى أين يمضي الإنسان.

إن الإنسان كائنٌ يُشبه من يُجاور، ويستعير من أرواح من يخالط أكثر مما يظن. وقد جاءت الإشارة القرآنية إلى هذه الحقيقة في مواضع متعددة، حتى أصبح واضحًا أن أثر الرفقة يتجاوز السلوك الظاهر إلى تشكيل الداخل الإنساني كله.

قال تعالى:
﴿ وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُ ﴾ [الكهف: 28].

إنها دعوة تحمل دلالات عظيمة؛ فالمرافقة هنا مرتبطة بالذكر والدعاء وإرادة وجه الله، وكأن القرآن يضع معيارًا راقيًا للعلاقات: من يعينك على دوام التوجه إلى الله فهو جدير بالقرب، ومن يُضعف فيك شوق القرآن ويُثقِل عليك مجالس الذكر ويُشغلك عن المعاني العليا فقد فتح بابًا من أبواب التيه ولو كان ظاهر الأمر وُدًّا وألفة.

الصحبة الصالحة لا تصنع ضجيجًا في حياة الإنسان، وإنما تصنع اتجاهًا.

قد لا تُكثر الوعظ، غير أنّ حضورها يذكّرك بالله.
قد لا ترفع الشعارات، غير أنّ مجالسها توقظ فيك الرغبة في القراءة والتدبر والدعاء والعمل.
قد لا تتحدث طويلًا عن القرآن، غير أنّ أثر القرآن يظهر في ألفاظها، وهدوئها، وأولوياتها، وطريقة نظرها إلى الدنيا.

ومن عجيب أمر القلوب أن الصحبة المؤمنة تُعيد تشكيل العلاقة مع الوحي دون تكلف؛ فيغدو القرآن رفيق الطريق، لا واجبًا مؤجّلًا، ولا موسمًا عابرًا.

وعندما نتأمل سيرة الأنبياء والصالحين نجد أن دوائر الإيمان كانت تقوم على الصحبة المؤدية إلى الله.

أصحاب الكهف اجتمعوا على الإيمان فزادهم الله هدى:
﴿ إِنَّهُمۡ فِتۡیَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى ﴾.

وصحابة رسول الله ﷺ كانت روابطهم تنشأ حول الوحي؛ يجلسون فينزل القرآن، ويتفرقون وقد حمل كل واحد منهم أثرًا جديدًا في قلبه وعقله وسلوكه.

فالقرآن لا يريد للإنسان أن يعيش الإيمان فردًا معزولًا؛ لأن الطريق طويل، والقلب يتعب، والفتن تتقلب، والصحبة الصادقة تُجدّد العزم وتُعين على الثبات.

وفي المقابل، تأتي الصحبة الغافلة بطريقة مختلفة؛ تبدأ بتخفيف قيمة الذكر، ثم تأجيل التوبة، ثم الاستثقال من المجالس النافعة، ثم الانشغال الدائم، حتى يصبح القرآن ضيفًا موسميًا في حياة الإنسان.

ومن دقائق التعبير القرآني أن الضلال هنا وقع بعد مجيء الذكر؛ أي إن الخطر الحقيقي لا يكمن دائمًا في الجهل، وإنما في انطفاء الهمة بعد المعرفة.

كم من قلب عرف القرآن ثم تراجع حضوره!
وكم من إنسان بدأ رحلته مع النور ثم ازدحمت حوله الأصوات حتى صار يقرأ دون أن يذوق، ويسمع دون أن يهتز.

ولهذا كان حفظ القلب من المؤثرات ضرورة إيمانية، وكانت مراجعة العلاقات عبادة من عبادات البصيرة.

ومن الأسئلة التي تستحق أن تُسأل بين آن وآخر:

من الأشخاص الذين إذا صحبتهم ازددت قربًا من القرآن؟
من الذين يجعلون حديث الآخرة حيًّا في داخلك؟
من الذين إذا غفلت ذكّروك، وإذا ضعفت شدّوا على قلبك؟
ومن الذين يُطفئون حرارة الإيمان ولو من غير قصد؟

فالعلاقات في ميزان الوحي تُقاس بثمارها.

والصحبة الصالحة لا تعني الكمال؛ فالكمال لله وحده، وإنما تعني صدق الوجهة، وأن يكون السير إلى الله هو الجامع الأعظم.

إن أجمل ما تمنحه الصحبة المؤمنة أنها تُخرج الإنسان من ضيق الأنا إلى سعة المعنى، ومن التعلق بالمؤقت إلى التعلق بالباقي، ومن تشتت القلب إلى اجتماع المقصد.

وعندما يكون القرآن حاضرًا في العلاقة، يصبح الحوار أرقى، والاختلاف أنقى، والمحبة أصفى، لأن الجميع يتحركون تحت نور واحد.

وما أعظم أن يجد الإنسان في حياته من يقول له عند الفتور: افتح المصحف.
وعند الحيرة: عد إلى كلام الله.
وعند الانكسار: استمع إلى الآيات.
وعند الفرح: احمد المنعم.

تلك صحبةٌ تُحب لك النجاة أكثر من إعجابها بك، وتفرح باستقامة روحك أكثر من حضورك.

إن الله سبحانه، في علوّه وجلاله وكمال رحمته، لم يترك عباده يتخبطون في مسالك الحياة، وإنما أنزل كتابًا يهدي للتي هي أقوم، وجعل حول هذا الكتاب أسبابًا تحفظ أثره في النفوس، ومن أعظم تلك الأسباب الصحبة التي تُذكّر ولا تُغفل، وتجمع ولا تُشتّت، وتفتح للروح أبواب الصعود.

وعندما يُصبح القرآن معيار الاختيار، تتبدل الحياة كلها؛ لأن القلب إذا استضاء بكلام الله عرف مواضع الخطو، وأدرك أن أعظم الأرباح أن يصل إلى الله بقلب سليم.

فهنيئًا لمن اختار رفقةً إذا حضر معها ازداد قربًا من القرآن، وإذا غاب عنها بقي أثرها يدعوه إلى الذكر، وإذا مضى في الطريق وجدها تُعينه على الثبات.

وهذه من أجلّ نعم الله على العبد: أن يرزقه قلوبًا تُذكّره بربه، وتفتح له أبواب الوحي، وتُبقي في داخله جذوة الإقبال حيّة حتى يلقى الله وهو يحمل في صدره نور كتابه، ويومئذٍ يدرك أن أعظم الصحبة ما قادت إلى القرآن، وأن أعظم الطريق ما انتهى إلى الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى