رأي

بشارة جمعة أرور.. يكتب : نظام الحكم الأمثل وإدارة الدولة في السودان

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التاريخ: 8 أغسطس 2026م

 

بشارة جمعة أرور.. يكتب : نظام الحكم الأمثل وإدارة الدولة في السودان

_________________

 

” مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى بمجرد استبدال نظام حكم بآخر أو إعادة إنتاج صيغ الحكم السابقة التي أثبتت محدوديتها أو باستنساخ تجارب الآخرين دون مراعاة خصوصيته وإنما يقتضي الأمر بلورة رؤية وطنية أصيلة تنطلق من قراءة عميقة لتاريخه وفهم واعي لواقعه وخصائصه الجغرافية والاجتماعية والسياسية وتستخلص العبر من دروس الماضي وتستوعب تحديات الحاضر وصولاً إلى صياغة مستقبل أكثر استقراراً فقد كشفت عقود طويلة من التجربة الوطنية عن تراكم اختلالات تمثلت في تعثر السياسات وتكرار الأزمات والصراعات واضطراب العلاقة بين المركز والأقاليم وضعف المؤسسات واختلال موازين إدارة السلطة والثروة الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على أداء وظائفها الوطنية في ترسيخ الاستقرار وبناء مؤسسات قوية وفاعلة والاستجابة لتطلعات شعبها في إقامة دولة حديثة عادلة قادرة على النهوض وإرساء دعائم التنمية المستدامة وتحقيق الازدهار المنشود. ”

 

لا يمكن بناء دولة سودانية حديثة مستقرة وفاعلة إلا من خلال نظامِ حكم يستند إلى رؤية وطنية أصيلة تنبع من خصوصية السودان التاريخية والجغرافية والسياسية والثقافية والاجتماعية وتستوعب دروس تجربته الوطنية بعيداً عن محاكاة تجارب الآخرين أو الارتهان لاعتبارات سياسية خاسرة أو حلول ظرفية مؤقتة فقد كشفت التجربة السودانية عبر عقود طويلة عن تحديات بنيوية عميقة في مقدمتها اختلال العلاقة بين المركز والأقاليم وعدم عدالة توزيع السلطة والثروة وضعف المؤسسات وغياب الحوكمة الرشيدة واختلال التوازن بين سلطات الدولة وتكرار وتجدد الأزمات والصراعات مما أضعف قدرة الدولة على أداء وظائفها وتحقيق تطلعات شعبها.

 

ومن ثم، فإن نجاح أي نظام للحكم لا يتوقف على اختيار شكله الدستوري والهياكل الوظيفية فحسب وإنما يرتبط بمدى متانة مؤسساته ورسوخ قواعده الدستورية وسيادة حكم القانون ووضوح توزيع الاختصاصات وفاعلية آليات الرقابة والمساءلة والمحاسبة والتوازن والتعاون بين السلطات واستقلال القضاء وحياد الخدمة المدنية وسيادة القانون وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية وحماية الحقوق والحريات وتعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة بما يحقق الاستقرار السياسي والإداري ويمنع احتكار السلطة أو تغول أي مؤسسة على اختصاصات غيرها.

 

وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن النظام الأمثل لحكم السودان وإدارة الدولة يتمثل في نظام رئاسي فيدرالي ديمقراطي حقيقي يقوم على قيادة سياسية واعية وتنفيذية مستقرة وفاعلة وفيدرالية حقيقية وليست مجرد مسميات وإطار شكلي أو توزيع صوري للسلطات…، وفصل متوازن وتعاون بناء بين السلطات وبرلمان قوي وقضاء مستقل ومؤسسات دستورية راسخة وحكم محلي قوي وفاعل وعدالة في توزيع السلطة والثروة وإدارة رشيدة للموارد الوطنية بما يحفظ وحدة الدولة وسيادتها ويصون تنوعها ويعزز مبدأ المواطنة المتساوية ويؤسس لدولة حديثة مستقرة وقادرة على تحقيق السلام والتنمية المستدامة.

ولا يقتصر هذا الاختيار على كونه تفضيلًا نظرياً بين النظم الدستورية وإنما يستند إلى قراءة موضوعية وعميقة لدروس التجربة السياسية السودانية وإلى إدراك عميق لطبيعة المجتمع السوداني وخصائصه وما أفرزته الممارسة السياسية عبر العقود الماضية من تجارب ودروس وما كشفت عنه من إيجابيات وسلبيات بما يتيح بناء نظام حكم أكثر ملاءمة لخصوصية السودان وأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار وترسيخ الحكم الرشيد.

 

فقد أظهرت التجربة أن النظام البرلماني الليبرالي على الرغم من مزاياه الديمقراطية إلا أنه ظل في السودان يعاني ضعفاً مزمناً في استقرار السلطة التنفيذية نتيجة هشاشة البناء الحزبي والتشرذم السياسي وتعدد القوى المتنافسة بما حال في الغالب دون تمكين حزب واحد من الحصول على أغلبية مستقرة تؤهله لتشكيل حكومة قادرة على تنفيذ برنامجها بكفاءة واستمرارية.

 

وقد أفضى ذلك إلى قيام حكومات ائتلافية متعاقبة كثيراً ما خضعت للخلافات الحزبية والمساومات السياسية وتبدل التحالفات الأمر الذي انعكس سلباً على استقرار مؤسسات الدولة وأضعف قدرتها على التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ برامج التنمية وتحقيق الإصلاح المؤسسي.

 

وفي المقابل فإن ما تحقق في بعض مراحل الحكم غير الديمقراطي من نجاح نسبي في تنفيذ بعض المشروعات التنموية لا يعود إلى طبيعة تلك الأنظمة في ذاتها ولا يمثل تبريراً للشمولية أو انتقاصاً من قيم الديمقراطية وإنما يُعزى في جانب كبير منه إلى استقرار القيادة التنفيذية واستمرارية السياسات العامة وهي ميزة ينبغي أن توفرها النظم الديمقراطية السليمة من خلال بناء مؤسسات دستورية مستقرة لا من خلال تركيز السلطة أو تعطيل الحريات.

 

وعلى هدي هذه المرتكزات فإن النظام الذي نسعى إليه ونؤمن بأنه الأقدر على تلبية احتياجات السودان هو النظام الرئاسي الفيدرالي الديمقراطي القائم على فيدرالية حقيقية تمنح الأقاليم أو الولايات سلطاتها الدستورية كاملة وتحقق التوازن بين وحدة الدولة واللامركزية وتجمع بين استقرار السلطة التنفيذية وفاعلية الرقابة الدستورية بما يكفل حسن إدارة الدولة ويدفع مسيرة التنمية المتوازنة المستدامة ويعمق المشاركة الوطنية في صناعة القرار.

 

ولا تستقيم الدولة الحديثة بمجرد حسن اختيار نظام الحكم والإدارة وإنما تستقيم كذلك بترسيخ مبادئ الحكم الرشيد وتعزيز الشفافية والمساءلة والمحاسبة ومكافحة الفساد وترسيخ سيادة القانون والقضاء على المحسوبية واستغلال النفوذ إذ أصبح الفساد الاقتصادي والإداري من أخطر التحديات التي تواجه الدول ولا سيما الدول النامية الأمر الذي يجعل بناء مؤسسات قوية ومستقلة ونزيهة شرطاً لازماً لتحقيق النجاح والتوافق والاستقرار والتنمية المستدامة وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.

 

واستناداً إلى ما تقدم، وترجمةً لهذه الرؤية إلى إطار دستوري ومؤسسي متكامل فإن النظام المقترح يقوم على مجموعة من المرتكزات الدستورية والمؤسسية التي تكفل بناء دولة حديثة مستقرة وعادلة وتحقق التوازن بين قوة الدولة واتساع المشاركة الشعبية واحترام الحقوق والحريات وذلك على النحو الآتي : مرتكزات نظام الحكم وإدارة الدولة.

 

أولاً : الدولة الدستورية وسيادة القانون

 

يقوم السودان على دولة مدنية دستورية تستند إلى سيادة الدستور وحكم القانون وترتكز على مبدأ المواطنة المتساوية أساساً للحقوق والواجبات دون تمييز بسبب العرق أو الجهة أو الثقافة أو اللغة أو الانتماء السياسي مع ترسيخ مبدأ الفصل والتوازن والتعاون بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وضمان استقلال القضاء والنيابة العامة وصون الحقوق والحريات العامة باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه شرعية الدولة الحديثة واستقرارها.

 

ويُعد الدستور المرجعية العليا التي تخضع لها جميع مؤسسات الدولة وسلطاتها وأجهزتها ولا تعلو عليه أي سلطة أو مؤسسة أو فرد بما يرسخ دولة المؤسسات ويمنع تغول أي سلطة على اختصاصات غيرها ويكفل احترام الشرعية الدستورية وسيادة القانون في جميع شؤون الدولة، ويجعل أحكام الدستور ومبادئه الإطار الناظم لممارسة السلطة وإدارة الدولة.

 

ثانياً : النظام الرئاسي

 

يقوم النظام السياسي على انتخاب رئيس الجمهورية انتخاباً مباشراً من الشعب بحيث يجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة السلطة التنفيذية ويستمد شرعيته من الإرادة الشعبية الحرة ويتولى قيادة الدولة وتنفيذ السياسات العامة وفق أحكام الدستور والقانون.

 

ويمارس رئيس الجمهورية صلاحياته في إطار الضوابط الدستورية ويكون مسؤولاً أمام الشعب والدستور وخاضعاً للرقابة والمساءلة الدستورية بما يحقق قوة القيادة التنفيذية واستقرارها ويضمن سرعة اتخاذ القرار مع منع تحول السلطة الرئاسية إلى حكم فردي أو مطلق من خلال منظومة متكاملة من الضوابط والتوازنات الدستورية.

 

ثالثاً : الفيدرالية الحقيقية

 

يعتمد السودان نظاماً فيدرالياً حقيقياً يقوم على توزيع دستوري واضح للاختصاصات والصلاحيات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم أو الولايات بما يمنح الوحدات الفيدرالية سلطات واسعة في التشريع والإدارة والتنمية وإدارة الموارد المحلية وفق مبادئ التكامل والتنسيق والمسؤولية المشتركة.

 

وتُحدد الاختصاصات الدستورية بصورة واضحة بين الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية والاختصاصات الحصرية للأقاليم أو الولايات والاختصاصات المشتركة بما يكفل وضوح توزيع الاختصاصات ويمنع تداخل السلطات وتضارب الصلاحيات ويرفع من جودة وكفاءة الأداء المؤسسي.

 

وتتولى الحكومة الاتحادية الاختصاصات السيادية والقضايا القومية الكبرى وفي مقدمتها الدفاع والأمن القومي والسياسة الخارجية والعملة والسياسات الاستراتيجية بينما تُمنح الأقاليم أو الولايات صلاحيات فعلية تمكنها من إدارة شؤونها وتحقيق التنمية المتوازنة والاستجابة لاحتياجات مواطنيها وفق أولوياتها التنموية.

 

رابعاً : السلطة التشريعية

 

تقوم السلطة التشريعية على برلمان وطني قوي ومستقل يتكون من غرفتين متكاملتين:

 

أ) مجلس النواب: يمثل المواطنين وفقاً للثقل السكاني والدوائر الانتخابية.

ب) مجلس الأقاليم أو الولايات : يضمن التمثيل المتوازن والمتكافئ للوحدات الفيدرالية ويحافظ على الشراكة الوطنية بين مختلف أقاليم أو ولايات السودان.

 

ويمارس البرلمان سلطاته الدستورية في التشريع والرقابة على الأداء التنفيذي وإجازة الموازنة العامة واستجواب الوزراء واعتماد الاتفاقيات الدولية والموافقة على التعيينات الدستورية والسيادية التي يحددها الدستور بما يعزز مبدأ التوازن بين السلطات وترسيخ الشفافية والمساءلة ويصون الإرادة الشعبية في إدارة الشأن العام.

 

خامساً : السلطة القضائية

 

تقوم السلطة القضائية على الاستقلال الكامل مالياً وإدارياً ووظيفياً باعتبارها الحارس الأمين للعدالة والضامن لاحترام الدستور وصون الحقوق والحريات، والحامي لسيادة القانون بما يكفل استقلال القضاء ونزاهته ويعزز الثقة في أحكامه ويرسخ مبدأ خضوع الجميع للقانون دون استثناء.

ويشمل هذا الاستقلال جميع مكونات المنظومة العدلية بما في ذلك النيابة العامة بما يضمن مباشرتها لاختصاصاتها باستقلالٍ تام بعيداً عن أي تأثير أو تدخل سياسي أو تنفيذي ويكفل نزاهة إجراءات العدالة وحيادها ويعزز حماية الحقوق والحريات ويرسخ سيادة القانون.

 

وتتوج هذه السلطة بمحكمة دستورية عليا تختص بحماية الدستور وصون الحقوق والحريات والفصل في المنازعات الدستورية وتسوية النزاعات بين السلطات الاتحادية والأقاليم أو الولايات والرقابة على دستورية القوانين بما يضمن احترام الشرعية الدستورية، ويحمي علوية الدستور ويعزز استقرار النظام الدستوري.

 

سادساً : المؤسسات الدستورية المستقلة

 

تنشأ مؤسسات ومفوضيات وطنية مستقلة تتمتع بالحياد والاستقلال الكامل وتؤدي اختصاصاتها وفق أحكام الدستور والقانون بعيداً عن أي تأثير سياسي أو حزبي بما يعزز النزاهة والشفافية ويرسخ مبادئ الحوكمة الرشيدة ويوطد ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

 

وتشمل هذه المؤسسات على وجه الخصوص:

 

1/ مفوضية الانتخابات.

2/ مفوضية مكافحة الفساد.

3/ مفوضية حقوق الإنسان.

4/ مفوضية الخدمة المدنية.

5/ ديوان المراجعة القومي.

6/ مفوضية العدالة الانتقالية.

 

كما تُدار الخدمة المدنية على أسس مهنية وقومية وتلتزم بالحياد السياسي وتقوم على الكفاءة والجدارة وتكافؤ الفرص بما يضمن استمرارية مؤسسات الدولة واستقرارها واستقلالها عن التغيرات السياسية ويعزز جودة الأداء المؤسسي والخدمة العامة.

 

سابعاً : المؤسسة العسكرية والأمنية

 

تُبنى القوات المسلحة على أسسٍ وطنية ومهنية وقومية وتكون المؤسسة العسكرية النظامية الوحيدة المخولة بحماية الوطن والدفاع عن سيادته وصون وحدته وحماية الدستور والنظام الدستوري.

وتخضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقوات النظامية الأخرى للدستور وللسلطة المدنية الدستورية الشرعية وتلتزم بالعقيدة الوطنية والحياد التام تجاه التنافس السياسي، وتحظر عليها ممارسة أي نشاط حزبي أو سياسي مع الحظر الكامل لأي تشكيلات أو قوات مسلحة موازية خارج إطار الدولة بما يرسخ وحدة المؤسسات النظامية ويعزز احتكار الدولة المشروع للقوة ويحفظ أمن الوطن واستقراره ويصون سيادة القانون.

 

ويُنشأ مجلس للأمن القومي يضم الجهات المختصة ويتولى رسم السياسات والاستراتيجيات الوطنية في مجالات الأمن والدفاع والتنسيق بين المؤسسات المعنية وإدارة المخاطر والأزمات بما يصون الأمن الوطني ويحمي المصالح العليا للدولة في إطار الدستور وسيادة القانون وتحت الرقابة الدستورية، وبما يضمن تكامل أدوار مؤسسات الدولة وتوحيد جهودها في مواجهة التهديدات والمخاطر التي تمس أمن الوطن واستقراره.

 

ثامناً : النظام الانتخابي

 

يعتمد السودان نظاماً انتخابياً عادلاً ومتوازناً يحقق عدالة التمثيل السياسي ويعزز الاستقرار السياسي والمؤسسي ويشجع على قيام أحزاب وطنية حديثة تقوم على البرامج والرؤى والسياسات العامة بعيداً عن العصبيات الضيقة والانقسامات الجهوية، ويكفل المشاركة الفاعلة والمتوازنة لجميع الأقاليم أو الولايات ومكونات المجتمع في صناعة القرار الوطني بما يوسع قاعدة المشاركة السياسية ويعمق الممارسة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ويكرس شرعية المؤسسات المنتخبة.

 

كما يلتزم النظام الانتخابي بضمان نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها وتكافؤ الفرص بين المتنافسين وتقوية ثقة المواطنين في نتائج الانتخابات باعتبارها الوسيلة الديمقراطية المشروعة لاختيار ممثلي الشعب وتداول السلطة بصورة سلمية، بما يؤسس لشرعية ديمقراطية راسخة واستقرار مؤسسي مستدام.

 

تاسعاً : العدالة في توزيع السلطة والثروة

 

تلتزم الدولة بتحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة بين الأقاليم وفق معايير دستورية واضحة تراعي عدد السكان ومستويات التنمية والاحتياجات التنموية والخصوصيات المحلية بما يحقق التوازن الوطني ويعزز وحدة الدولة.

 

كما تلتزم الدولة بالإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية وضمان حسن استغلالها وعدالة توزيع عائداتها بين مختلف الأقاليم وفق مبادئ الشفافية والكفاءة والإنصاف باعتبارها ملكاً للشعب السوداني تُدار بما يخدم المصلحة الوطنية والأجيال القادمة.

 

وتهدف هذه العدالة إلى معالجة جذور مشاكل التهميش وتحقيق التنمية المتوازنة وتعزيز الانتماء الوطني وإنهاء أسباب الصراع حول الموارد والسلطة وترسيخ الشراكة الوطنية بين جميع مكونات الدولة.

 

عاشراً : الحكم المحلي

 

يقوم الحكم المحلي على اللامركزية الفاعلة ويمنح الولايات والمحليات استقلالاً إدارياً ومالياً وصلاحيات واسعة في إدارة شؤون المواطنين وتقديم الخدمات العامة وتنفيذ البرامج التنموية وفق أحكام الدستور والقانون.

 

ويهدف ذلك إلى تقصير الظل الإداري وتقريب السلطة من المواطنين وتعزيز المشاركة المجتمعية في صناعة القرار المحلي ورفع كفاءة الأداء الإداري وتحسين جودة الخدمات وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة ودفع التنمية المحلية المستدامة بما يحقق التكامل بين مستويات الحكم المختلفة ويقوي وحدة الدولة من خلال إدارة رشيدة ومتوازنة لشؤونها العامة.

 

الحادي عشر: الإدارة العامة والحوكمة الرقمية

 

تلتزم الدولة ببناء إدارة عامة حديثة وكفؤة تقوم على مبادئ الكفاءة والشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة، وتعتمد التخطيط الاستراتيجي وتبسيط الإجراءات وقياس الأداء والتحول الرقمي والحكومة الإلكترونية بما يرفع كفاءة مؤسسات الدولة ويحسن جودة الخدمات العامة ويعزز ثقة المواطنين.

كما تلتزم الدولة بتحقيق كفاءة الإنفاق العام وحسن إدارة الموارد وتطوير الأداء المؤسسي بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد ويعزز التنمية المستدامة، ويرسخ فاعلية الإدارة العامة.

 

الثاني عشر : الضمانات الدستورية والمؤسسية

 

ولضمان عدم انحراف النظام الرئاسي نحو الحكم الفردي أو تركيز السلطة وترسيخ مبادئ الحكم الديمقراطي الرشيد واستدامة الاستقرار الدستوري والمؤسسي يجب أن يتضمن الدستور منظومة متكاملة من الضمانات الدستورية والمؤسسية تقوم على ترسيخ سيادة الدستور واستقلال السلطات وحماية المؤسسات الدستورية وضمان حياد أجهزة الدولة وصون الحقوق والحريات بما يكفل التوازن بين السلطات ويمنع إساءة استعمال السلطة أو تغول أي مؤسسة على اختصاصات غيرها.

 

وتشمل هذه الضمانات على وجه الخصوص ما يأتي:

 

1/ تحديد مدة ولاية رئيس الجمهورية بأربع أو خمس سنوات.

 

2/ عدم جواز تولي منصب رئيس الجمهورية لأكثر من فترتين رئاسيتين.

 

3/ إخضاع رئيس الجمهورية للمساءلة الدستورية ووضع إجراءات واضحة للعزل في حال انتهاك الدستور أو الخيانة العظمى أو ارتكاب مخالفات جسيمة يحددها الدستور والقانون.

 

4/ تحصين النصوص الدستورية المتعلقة بمدة الرئاسة وعدد الفترات الرئاسية وعدم تعديلها إلا بإجراءات دستورية مشددة تحقق توافقاً وطنياً واسعاً.

 

5/ تعزيز استقلال السلطات التشريعية والقضائية وضمان ممارستهما لاختصاصاتهما الدستورية بعيداً عن أي تدخل أو تأثير.

 

6/ كفالة الاستقلال الكامل للسلطة القضائية والنيابة العامة باعتبارهما الضامن لحماية الشرعية الدستورية وسيادة القانون وصون الحقوق والحريات.

 

7/ حماية استقلال المؤسسات الدستورية والمفوضيات الوطنية وتمكينها من أداء اختصاصاتها بحياد واستقلال، ومنع التدخل في أعمالها أو التأثير على قراراتها إلا في الحدود التي يقررها الدستور والقانون.

 

8/ ضمان حياد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية وعدم توظيفها في المنافسة أو الصراع السياسي والتزامها بأداء واجباتها على أسسٍ وطنية ومهنية وقومية.

 

9/ كفالة التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة ودورية تشرف عليها مفوضية مستقلة وتخضع جميع مراحلها للرقابة والإشراف القضائي وفق أحكام الدستور والقانون.

 

10/ صون الحقوق والحريات العامة وعدم جواز الانتقاص منها أو تعطيلها إلا في الحدود التي يجيزها الدستور وبما لا يمس جوهرها أو ينتقص من الضمانات المقررة لحمايتها.

 

11/ الالتزام بمبادئ الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة في إدارة المال العام والموارد الوطنية وتعزيز الرقابة المؤسسية على أداء جميع أجهزة الدولة.

 

12/ اعتماد آلياتٍ دستورية واضحة لحل النزاعات بين مستويات الحكم المختلفة بما يحفظ التوازن بين السلطة الاتحادية والأقاليم أو الولايات ويصون وحدة الدولة ويُرسخ استقرارها.

 

13/ ترسيخ مبدأ خضوع جميع السلطات والأشخاص والمؤسسات دون استثناء لأحكام الدستور وسيادة حكم القانون بما يضمن استدامة الشرعية الدستورية ويحافظ على استقرار الدولة ومؤسساتها.

 

14/ حظر تعليق العمل بالدستور أو تعطيل المؤسسات الدستورية أو الاستيلاء على السلطة بوسائل غير دستورية وتجريم أي محاولة تستهدف تقويض النظام الدستوري أو الانتقاص من الشرعية الدستورية وفقاً لأحكام الدستور والقانون.

 

15/ إرساء مبدأ الاحتكام الحصري إلى الدستور وسيادة حكم القانون في ممارسة السلطة وإدارة الشأن العام وتسوية الخلافات الوطنية باعتبارهما الإطار الحاكم لعمل جميع سلطات الدولة ومؤسساتها بما يصون استمرارية الدولة ويحفظ توازن السلطات ويُرسخ استقرار النظام الدستوري ويكفل التداول السلمي للسلطة.

 

وتشكل هذه الضمانات الدستورية والمؤسسية منظومة متكاملة لحماية النظام الفدرالي الديمقراطي وتعزيز استقلال السلطات وصون استقلال القضاء وحماية استقلال المؤسسات الدستورية والمفوضيات الوطنية وضمان حياد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية وترسيخ نزاهة العملية الانتخابية من خلال الرقابة القضائية المستقلة بما يكفل استقرار نظام الحكم ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة ويصون الحقوق والحريات ويضمن التداول السلمي للسلطة في إطار سيادة الدستور والقانون.

 

وتأسيساً على ما تقدم فإن النظام الرئاسي الفيدرالي الديمقراطي متى بُني على دستور راسخ ومؤسسات مستقلة وفيدرالية حقيقية وسيادة كاملة للقانون وعدالة في توزيع السلطة والثروة وإدارة رشيدة للموارد يمثل النموذج الأقرب إلى تلبية احتياجات السودان التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية.

 

فهو يجمع بين استقرار القيادة التنفيذية وفاعليتها واستقلال السلطات وقوة المؤسسات واتساع المشاركة الوطنية ويحقق التوازن بين وحدة الدولة والتنوع الذي يميز المجتمع السوداني بما يرسخ مبدأ المواطنة المتساوية ويصون الحقوق والحريات ويحول دون احتكار السلطة أو تغول أي مؤسسة على اختصاصات غيرها.

 

كما يؤسس لدولة حديثة قائمة على الشرعية الدستورية وسيادة حكم القانون والشفافية والمساءلة والحكم الرشيد، ويهيئ البيئة الملائمة لبناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على إدارة التنوع وإرساء دعائم التنمية المتوازنة وترسيخ السلام المستدام والاستقرار السياسي والإداري.

 

وبذلك فإن هذا النموذج لا يمثل مجرد اختيار لشكل من أشكال الحكم وإنما يجسد رؤية وطنية متكاملة لبناء دولة سودانية حديثة تقوم على قوة المؤسسات وتوازن السلطات والفيدرالية الحقيقية وسيادة القانون والعدالة والحكم الرشيد بما يصون وحدتها الوطنية ويحفظ سيادتها ويحسن إدارة مواردها ويدفبسم الله الرحمن الرحيم

 

التاريخ: 8 أغسطس 2026م

 

بشارة جمعة أرور

 

نظام الحكم الأمثل وإدارة الدولة في السودان

_________________

 

” مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى بمجرد استبدال نظام حكم بآخر أو إعادة إنتاج صيغ الحكم السابقة التي أثبتت محدوديتها أو باستنساخ تجارب الآخرين دون مراعاة خصوصيته وإنما يقتضي الأمر بلورة رؤية وطنية أصيلة تنطلق من قراءة عميقة لتاريخه وفهم واعي لواقعه وخصائصه الجغرافية والاجتماعية والسياسية وتستخلص العبر من دروس الماضي وتستوعب تحديات الحاضر وصولاً إلى صياغة مستقبل أكثر استقراراً فقد كشفت عقود طويلة من التجربة الوطنية عن تراكم اختلالات تمثلت في تعثر السياسات وتكرار الأزمات والصراعات واضطراب العلاقة بين المركز والأقاليم وضعف المؤسسات واختلال موازين إدارة السلطة والثروة الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على أداء وظائفها الوطنية في ترسيخ الاستقرار وبناء مؤسسات قوية وفاعلة والاستجابة لتطلعات شعبها في إقامة دولة حديثة عادلة قادرة على النهوض وإرساء دعائم التنمية المستدامة وتحقيق الازدهار المنشود. ”

 

لا يمكن بناء دولة سودانية حديثة مستقرة وفاعلة إلا من خلال نظامِ حكم يستند إلى رؤية وطنية أصيلة تنبع من خصوصية السودان التاريخية والجغرافية والسياسية والثقافية والاجتماعية وتستوعب دروس تجربته الوطنية بعيداً عن محاكاة تجارب الآخرين أو الارتهان لاعتبارات سياسية خاسرة أو حلول ظرفية مؤقتة فقد كشفت التجربة السودانية عبر عقود طويلة عن تحديات بنيوية عميقة في مقدمتها اختلال العلاقة بين المركز والأقاليم وعدم عدالة توزيع السلطة والثروة وضعف المؤسسات وغياب الحوكمة الرشيدة واختلال التوازن بين سلطات الدولة وتكرار وتجدد الأزمات والصراعات مما أضعف قدرة الدولة على أداء وظائفها وتحقيق تطلعات شعبها.

 

ومن ثم، فإن نجاح أي نظام للحكم لا يتوقف على اختيار شكله الدستوري والهياكل الوظيفية فحسب وإنما يرتبط بمدى متانة مؤسساته ورسوخ قواعده الدستورية وسيادة حكم القانون ووضوح توزيع الاختصاصات وفاعلية آليات الرقابة والمساءلة والمحاسبة والتوازن والتعاون بين السلطات واستقلال القضاء وحياد الخدمة المدنية وسيادة القانون وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية وحماية الحقوق والحريات وتعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة بما يحقق الاستقرار السياسي والإداري ويمنع احتكار السلطة أو تغول أي مؤسسة على اختصاصات غيرها.

 

وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن النظام الأمثل لحكم السودان وإدارة الدولة يتمثل في نظام رئاسي فيدرالي ديمقراطي حقيقي يقوم على قيادة سياسية واعية وتنفيذية مستقرة وفاعلة وفيدرالية حقيقية وليست مجرد مسميات وإطار شكلي أو توزيع صوري للسلطات…، وفصل متوازن وتعاون بناء بين السلطات وبرلمان قوي وقضاء مستقل ومؤسسات دستورية راسخة وحكم محلي قوي وفاعل وعدالة في توزيع السلطة والثروة وإدارة رشيدة للموارد الوطنية بما يحفظ وحدة الدولة وسيادتها ويصون تنوعها ويعزز مبدأ المواطنة المتساوية ويؤسس لدولة حديثة مستقرة وقادرة على تحقيق السلام والتنمية المستدامة.

ولا يقتصر هذا الاختيار على كونه تفضيلًا نظرياً بين النظم الدستورية وإنما يستند إلى قراءة موضوعية وعميقة لدروس التجربة السياسية السودانية وإلى إدراك عميق لطبيعة المجتمع السوداني وخصائصه وما أفرزته الممارسة السياسية عبر العقود الماضية من تجارب ودروس وما كشفت عنه من إيجابيات وسلبيات بما يتيح بناء نظام حكم أكثر ملاءمة لخصوصية السودان وأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار وترسيخ الحكم الرشيد.

 

فقد أظهرت التجربة أن النظام البرلماني الليبرالي على الرغم من مزاياه الديمقراطية إلا أنه ظل في السودان يعاني ضعفاً مزمناً في استقرار السلطة التنفيذية نتيجة هشاشة البناء الحزبي والتشرذم السياسي وتعدد القوى المتنافسة بما حال في الغالب دون تمكين حزب واحد من الحصول على أغلبية مستقرة تؤهله لتشكيل حكومة قادرة على تنفيذ برنامجها بكفاءة واستمرارية.

 

وقد أفضى ذلك إلى قيام حكومات ائتلافية متعاقبة كثيراً ما خضعت للخلافات الحزبية والمساومات السياسية وتبدل التحالفات الأمر الذي انعكس سلباً على استقرار مؤسسات الدولة وأضعف قدرتها على التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ برامج التنمية وتحقيق الإصلاح المؤسسي.

 

وفي المقابل فإن ما تحقق في بعض مراحل الحكم غير الديمقراطي من نجاح نسبي في تنفيذ بعض المشروعات التنموية لا يعود إلى طبيعة تلك الأنظمة في ذاتها ولا يمثل تبريراً للشمولية أو انتقاصاً من قيم الديمقراطية وإنما يُعزى في جانب كبير منه إلى استقرار القيادة التنفيذية واستمرارية السياسات العامة وهي ميزة ينبغي أن توفرها النظم الديمقراطية السليمة من خلال بناء مؤسسات دستورية مستقرة لا من خلال تركيز السلطة أو تعطيل الحريات.

 

وعلى هدي هذه المرتكزات فإن النظام الذي نسعى إليه ونؤمن بأنه الأقدر على تلبية احتياجات السودان هو النظام الرئاسي الفيدرالي الديمقراطي القائم على فيدرالية حقيقية تمنح الأقاليم أو الولايات سلطاتها الدستورية كاملة وتحقق التوازن بين وحدة الدولة واللامركزية وتجمع بين استقرار السلطة التنفيذية وفاعلية الرقابة الدستورية بما يكفل حسن إدارة الدولة ويدفع مسيرة التنمية المتوازنة المستدامة ويعمق المشاركة الوطنية في صناعة القرار.

 

ولا تستقيم الدولة الحديثة بمجرد حسن اختيار نظام الحكم والإدارة وإنما تستقيم كذلك بترسيخ مبادئ الحكم الرشيد وتعزيز الشفافية والمساءلة والمحاسبة ومكافحة الفساد وترسيخ سيادة القانون والقضاء على المحسوبية واستغلال النفوذ إذ أصبح الفساد الاقتصادي والإداري من أخطر التحديات التي تواجه الدول ولا سيما الدول النامية الأمر الذي يجعل بناء مؤسسات قوية ومستقلة ونزيهة شرطاً لازماً لتحقيق النجاح والتوافق والاستقرار والتنمية المستدامة وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.

 

واستناداً إلى ما تقدم، وترجمةً لهذه الرؤية إلى إطار دستوري ومؤسسي متكامل فإن النظام المقترح يقوم على مجموعة من المرتكزات الدستورية والمؤسسية التي تكفل بناء دولة حديثة مستقرة وعادلة وتحقق التوازن بين قوة الدولة واتساع المشاركة الشعبية واحترام الحقوق والحريات وذلك على النحو الآتي : مرتكزات نظام الحكم وإدارة الدولة.

 

أولاً : الدولة الدستورية وسيادة القانون

 

يقوم السودان على دولة مدنية دستورية تستند إلى سيادة الدستور وحكم القانون وترتكز على مبدأ المواطنة المتساوية أساساً للحقوق والواجبات دون تمييز بسبب العرق أو الجهة أو الثقافة أو اللغة أو الانتماء السياسي مع ترسيخ مبدأ الفصل والتوازن والتعاون بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وضمان استقلال القضاء والنيابة العامة وصون الحقوق والحريات العامة باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه شرعية الدولة الحديثة واستقرارها.

 

ويُعد الدستور المرجعية العليا التي تخضع لها جميع مؤسسات الدولة وسلطاتها وأجهزتها ولا تعلو عليه أي سلطة أو مؤسسة أو فرد بما يرسخ دولة المؤسسات ويمنع تغول أي سلطة على اختصاصات غيرها ويكفل احترام الشرعية الدستورية وسيادة القانون في جميع شؤون الدولة، ويجعل أحكام الدستور ومبادئه الإطار الناظم لممارسة السلطة وإدارة الدولة.

 

ثانياً : النظام الرئاسي

 

يقوم النظام السياسي على انتخاب رئيس الجمهورية انتخاباً مباشراً من الشعب بحيث يجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة السلطة التنفيذية ويستمد شرعيته من الإرادة الشعبية الحرة ويتولى قيادة الدولة وتنفيذ السياسات العامة وفق أحكام الدستور والقانون.

 

ويمارس رئيس الجمهورية صلاحياته في إطار الضوابط الدستورية ويكون مسؤولاً أمام الشعب والدستور وخاضعاً للرقابة والمساءلة الدستورية بما يحقق قوة القيادة التنفيذية واستقرارها ويضمن سرعة اتخاذ القرار مع منع تحول السلطة الرئاسية إلى حكم فردي أو مطلق من خلال منظومة متكاملة من الضوابط والتوازنات الدستورية.

 

ثالثاً : الفيدرالية الحقيقية

 

يعتمد السودان نظاماً فيدرالياً حقيقياً يقوم على توزيع دستوري واضح للاختصاصات والصلاحيات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم أو الولايات بما يمنح الوحدات الفيدرالية سلطات واسعة في التشريع والإدارة والتنمية وإدارة الموارد المحلية وفق مبادئ التكامل والتنسيق والمسؤولية المشتركة.

 

وتُحدد الاختصاصات الدستورية بصورة واضحة بين الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية والاختصاصات الحصرية للأقاليم أو الولايات والاختصاصات المشتركة بما يكفل وضوح توزيع الاختصاصات ويمنع تداخل السلطات وتضارب الصلاحيات ويرفع من جودة وكفاءة الأداء المؤسسي.

 

وتتولى الحكومة الاتحادية الاختصاصات السيادية والقضايا القومية الكبرى وفي مقدمتها الدفاع والأمن القومي والسياسة الخارجية والعملة والسياسات الاستراتيجية بينما تُمنح الأقاليم أو الولايات صلاحيات فعلية تمكنها من إدارة شؤونها وتحقيق التنمية المتوازنة والاستجابة لاحتياجات مواطنيها وفق أولوياتها التنموية.

 

رابعاً : السلطة التشريعية

 

تقوم السلطة التشريعية على برلمان وطني قوي ومستقل يتكون من غرفتين متكاملتين:

 

أ) مجلس النواب: يمثل المواطنين وفقاً للثقل السكاني والدوائر الانتخابية.

ب) مجلس الأقاليم أو الولايات : يضمن التمثيل المتوازن والمتكافئ للوحدات الفيدرالية ويحافظ على الشراكة الوطنية بين مختلف أقاليم أو ولايات السودان.

 

ويمارس البرلمان سلطاته الدستورية في التشريع والرقابة على الأداء التنفيذي وإجازة الموازنة العامة واستجواب الوزراء واعتماد الاتفاقيات الدولية والموافقة على التعيينات الدستورية والسيادية التي يحددها الدستور بما يعزز مبدأ التوازن بين السلطات وترسيخ الشفافية والمساءلة ويصون الإرادة الشعبية في إدارة الشأن العام.

 

خامساً : السلطة القضائية

 

تقوم السلطة القضائية على الاستقلال الكامل مالياً وإدارياً ووظيفياً باعتبارها الحارس الأمين للعدالة والضامن لاحترام الدستور وصون الحقوق والحريات، والحامي لسيادة القانون بما يكفل استقلال القضاء ونزاهته ويعزز الثقة في أحكامه ويرسخ مبدأ خضوع الجميع للقانون دون استثناء.

ويشمل هذا الاستقلال جميع مكونات المنظومة العدلية بما في ذلك النيابة العامة بما يضمن مباشرتها لاختصاصاتها باستقلالٍ تام بعيداً عن أي تأثير أو تدخل سياسي أو تنفيذي ويكفل نزاهة إجراءات العدالة وحيادها ويعزز حماية الحقوق والحريات ويرسخ سيادة القانون.

 

وتتوج هذه السلطة بمحكمة دستورية عليا تختص بحماية الدستور وصون الحقوق والحريات والفصل في المنازعات الدستورية وتسوية النزاعات بين السلطات الاتحادية والأقاليم أو الولايات والرقابة على دستورية القوانين بما يضمن احترام الشرعية الدستورية، ويحمي علوية الدستور ويعزز استقرار النظام الدستوري.

 

سادساً : المؤسسات الدستورية المستقلة

 

تنشأ مؤسسات ومفوضيات وطنية مستقلة تتمتع بالحياد والاستقلال الكامل وتؤدي اختصاصاتها وفق أحكام الدستور والقانون بعيداً عن أي تأثير سياسي أو حزبي بما يعزز النزاهة والشفافية ويرسخ مبادئ الحوكمة الرشيدة ويوطد ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

 

وتشمل هذه المؤسسات على وجه الخصوص:

 

1/ مفوضية الانتخابات.

2/ مفوضية مكافحة الفساد.

3/ مفوضية حقوق الإنسان.

4/ مفوضية الخدمة المدنية.

5/ ديوان المراجعة القومي.

6/ مفوضية العدالة الانتقالية.

 

كما تُدار الخدمة المدنية على أسس مهنية وقومية وتلتزم بالحياد السياسي وتقوم على الكفاءة والجدارة وتكافؤ الفرص بما يضمن استمرارية مؤسسات الدولة واستقرارها واستقلالها عن التغيرات السياسية ويعزز جودة الأداء المؤسسي والخدمة العامة.

 

سابعاً : المؤسسة العسكرية والأمنية

 

تُبنى القوات المسلحة على أسسٍ وطنية ومهنية وقومية وتكون المؤسسة العسكرية النظامية الوحيدة المخولة بحماية الوطن والدفاع عن سيادته وصون وحدته وحماية الدستور والنظام الدستوري.

وتخضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقوات النظامية الأخرى للدستور وللسلطة المدنية الدستورية الشرعية وتلتزم بالعقيدة الوطنية والحياد التام تجاه التنافس السياسي، وتحظر عليها ممارسة أي نشاط حزبي أو سياسي مع الحظر الكامل لأي تشكيلات أو قوات مسلحة موازية خارج إطار الدولة بما يرسخ وحدة المؤسسات النظامية ويعزز احتكار الدولة المشروع للقوة ويحفظ أمن الوطن واستقراره ويصون سيادة القانون.

 

ويُنشأ مجلس للأمن القومي يضم الجهات المختصة ويتولى رسم السياسات والاستراتيجيات الوطنية في مجالات الأمن والدفاع والتنسيق بين المؤسسات المعنية وإدارة المخاطر والأزمات بما يصون الأمن الوطني ويحمي المصالح العليا للدولة في إطار الدستور وسيادة القانون وتحت الرقابة الدستورية، وبما يضمن تكامل أدوار مؤسسات الدولة وتوحيد جهودها في مواجهة التهديدات والمخاطر التي تمس أمن الوطن واستقراره.

 

ثامناً : النظام الانتخابي

 

يعتمد السودان نظاماً انتخابياً عادلاً ومتوازناً يحقق عدالة التمثيل السياسي ويعزز الاستقرار السياسي والمؤسسي ويشجع على قيام أحزاب وطنية حديثة تقوم على البرامج والرؤى والسياسات العامة بعيداً عن العصبيات الضيقة والانقسامات الجهوية، ويكفل المشاركة الفاعلة والمتوازنة لجميع الأقاليم أو الولايات ومكونات المجتمع في صناعة القرار الوطني بما يوسع قاعدة المشاركة السياسية ويعمق الممارسة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ويكرس شرعية المؤسسات المنتخبة.

 

كما يلتزم النظام الانتخابي بضمان نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها وتكافؤ الفرص بين المتنافسين وتقوية ثقة المواطنين في نتائج الانتخابات باعتبارها الوسيلة الديمقراطية المشروعة لاختيار ممثلي الشعب وتداول السلطة بصورة سلمية، بما يؤسس لشرعية ديمقراطية راسخة واستقرار مؤسسي مستدام.

 

تاسعاً : العدالة في توزيع السلطة والثروة

 

تلتزم الدولة بتحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة بين الأقاليم وفق معايير دستورية واضحة تراعي عدد السكان ومستويات التنمية والاحتياجات التنموية والخصوصيات المحلية بما يحقق التوازن الوطني ويعزز وحدة الدولة.

 

كما تلتزم الدولة بالإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية وضمان حسن استغلالها وعدالة توزيع عائداتها بين مختلف الأقاليم وفق مبادئ الشفافية والكفاءة والإنصاف باعتبارها ملكاً للشعب السوداني تُدار بما يخدم المصلحة الوطنية والأجيال القادمة.

 

وتهدف هذه العدالة إلى معالجة جذور مشاكل التهميش وتحقيق التنمية المتوازنة وتعزيز الانتماء الوطني وإنهاء أسباب الصراع حول الموارد والسلطة وترسيخ الشراكة الوطنية بين جميع مكونات الدولة.

 

عاشراً : الحكم المحلي

 

يقوم الحكم المحلي على اللامركزية الفاعلة ويمنح الولايات والمحليات استقلالاً إدارياً ومالياً وصلاحيات واسعة في إدارة شؤون المواطنين وتقديم الخدمات العامة وتنفيذ البرامج التنموية وفق أحكام الدستور والقانون.

 

ويهدف ذلك إلى تقصير الظل الإداري وتقريب السلطة من المواطنين وتعزيز المشاركة المجتمعية في صناعة القرار المحلي ورفع كفاءة الأداء الإداري وتحسين جودة الخدمات وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة ودفع التنمية المحلية المستدامة بما يحقق التكامل بين مستويات الحكم المختلفة ويقوي وحدة الدولة من خلال إدارة رشيدة ومتوازنة لشؤونها العامة.

 

الحادي عشر: الإدارة العامة والحوكمة الرقمية

 

تلتزم الدولة ببناء إدارة عامة حديثة وكفؤة تقوم على مبادئ الكفاءة والشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة، وتعتمد التخطيط الاستراتيجي وتبسيط الإجراءات وقياس الأداء والتحول الرقمي والحكومة الإلكترونية بما يرفع كفاءة مؤسسات الدولة ويحسن جودة الخدمات العامة ويعزز ثقة المواطنين.

كما تلتزم الدولة بتحقيق كفاءة الإنفاق العام وحسن إدارة الموارد وتطوير الأداء المؤسسي بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد ويعزز التنمية المستدامة، ويرسخ فاعلية الإدارة العامة.

 

الثاني عشر : الضمانات الدستورية والمؤسسية

 

ولضمان عدم انحراف النظام الرئاسي نحو الحكم الفردي أو تركيز السلطة وترسيخ مبادئ الحكم الديمقراطي الرشيد واستدامة الاستقرار الدستوري والمؤسسي يجب أن يتضمن الدستور منظومة متكاملة من الضمانات الدستورية والمؤسسية تقوم على ترسيخ سيادة الدستور واستقلال السلطات وحماية المؤسسات الدستورية وضمان حياد أجهزة الدولة وصون الحقوق والحريات بما يكفل التوازن بين السلطات ويمنع إساءة استعمال السلطة أو تغول أي مؤسسة على اختصاصات غيرها.

 

وتشمل هذه الضمانات على وجه الخصوص ما يأتي:

 

1/ تحديد مدة ولاية رئيس الجمهورية بأربع أو خمس سنوات.

 

2/ عدم جواز تولي منصب رئيس الجمهورية لأكثر من فترتين رئاسيتين.

 

3/ إخضاع رئيس الجمهورية للمساءلة الدستورية ووضع إجراءات واضحة للعزل في حال انتهاك الدستور أو الخيانة العظمى أو ارتكاب مخالفات جسيمة يحددها الدستور والقانون.

 

4/ تحصين النصوص الدستورية المتعلقة بمدة الرئاسة وعدد الفترات الرئاسية وعدم تعديلها إلا بإجراءات دستورية مشددة تحقق توافقاً وطنياً واسعاً.

 

5/ تعزيز استقلال السلطات التشريعية والقضائية وضمان ممارستهما لاختصاصاتهما الدستورية بعيداً عن أي تدخل أو تأثير.

 

6/ كفالة الاستقلال الكامل للسلطة القضائية والنيابة العامة باعتبارهما الضامن لحماية الشرعية الدستورية وسيادة القانون وصون الحقوق والحريات.

 

7/ حماية استقلال المؤسسات الدستورية والمفوضيات الوطنية وتمكينها من أداء اختصاصاتها بحياد واستقلال، ومنع التدخل في أعمالها أو التأثير على قراراتها إلا في الحدود التي يقررها الدستور والقانون.

 

8/ ضمان حياد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية وعدم توظيفها في المنافسة أو الصراع السياسي والتزامها بأداء واجباتها على أسسٍ وطنية ومهنية وقومية.

 

9/ كفالة التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة ودورية تشرف عليها مفوضية مستقلة وتخضع جميع مراحلها للرقابة والإشراف القضائي وفق أحكام الدستور والقانون.

 

10/ صون الحقوق والحريات العامة وعدم جواز الانتقاص منها أو تعطيلها إلا في الحدود التي يجيزها الدستور وبما لا يمس جوهرها أو ينتقص من الضمانات المقررة لحمايتها.

 

11/ الالتزام بمبادئ الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة في إدارة المال العام والموارد الوطنية وتعزيز الرقابة المؤسسية على أداء جميع أجهزة الدولة.

 

12/ اعتماد آلياتٍ دستورية واضحة لحل النزاعات بين مستويات الحكم المختلفة بما يحفظ التوازن بين السلطة الاتحادية والأقاليم أو الولايات ويصون وحدة الدولة ويُرسخ استقرارها.

 

13/ ترسيخ مبدأ خضوع جميع السلطات والأشخاص والمؤسسات دون استثناء لأحكام الدستور وسيادة حكم القانون بما يضمن استدامة الشرعية الدستورية ويحافظ على استقرار الدولة ومؤسساتها.

 

14/ حظر تعليق العمل بالدستور أو تعطيل المؤسسات الدستورية أو الاستيلاء على السلطة بوسائل غير دستورية وتجريم أي محاولة تستهدف تقويض النظام الدستوري أو الانتقاص من الشرعية الدستورية وفقاً لأحكام الدستور والقانون.

 

15/ إرساء مبدأ الاحتكام الحصري إلى الدستور وسيادة حكم القانون في ممارسة السلطة وإدارة الشأن العام وتسوية الخلافات الوطنية باعتبارهما الإطار الحاكم لعمل جميع سلطات الدولة ومؤسساتها بما يصون استمرارية الدولة ويحفظ توازن السلطات ويُرسخ استقرار النظام الدستوري ويكفل التداول السلمي للسلطة.

 

وتشكل هذه الضمانات الدستورية والمؤسسية منظومة متكاملة لحماية النظام الفدرالي الديمقراطي وتعزيز استقلال السلطات وصون استقلال القضاء وحماية استقلال المؤسسات الدستورية والمفوضيات الوطنية وضمان حياد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية وترسيخ نزاهة العملية الانتخابية من خلال الرقابة القضائية المستقلة بما يكفل استقرار نظام الحكم ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة ويصون الحقوق والحريات ويضمن التداول السلمي للسلطة في إطار سيادة الدستور والقانون.

 

وتأسيساً على ما تقدم فإن النظام الرئاسي الفيدرالي الديمقراطي متى بُني على دستور راسخ ومؤسسات مستقلة وفيدرالية حقيقية وسيادة كاملة للقانون وعدالة في توزيع السلطة والثروة وإدارة رشيدة للموارد يمثل النموذج الأقرب إلى تلبية احتياجات السودان التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية.

 

فهو يجمع بين استقرار القيادة التنفيذية وفاعليتها واستقلال السلطات وقوة المؤسسات واتساع المشاركة الوطنية ويحقق التوازن بين وحدة الدولة والتنوع الذي يميز المجتمع السوداني بما يرسخ مبدأ المواطنة المتساوية ويصون الحقوق والحريات ويحول دون احتكار السلطة أو تغول أي مؤسسة على اختصاصات غيرها.

 

كما يؤسس لدولة حديثة قائمة على الشرعية الدستورية وسيادة حكم القانون والشفافية والمساءلة والحكم الرشيد، ويهيئ البيئة الملائمة لبناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على إدارة التنوع وإرساء دعائم التنمية المتوازنة وترسيخ السلام المستدام والاستقرار السياسي والإداري.

 

وبذلك فإن هذا النموذج لا يمثل مجرد اختيار لشكل من أشكال الحكم وإنما يجسد رؤية وطنية متكاملة لبناء دولة سودانية حديثة تقوم على قوة المؤسسات وتوازن السلطات والفيدرالية الحقيقية وسيادة القانون والعدالة والحكم الرشيد بما يصون وحدتها الوطنية ويحفظ سيادتها ويحسن إدارة مواردها ويدفع مسيرة التنمية المستدامة ويستجيب لتطلعات شعبها في الحرية والعدالة والعيش الكريم وصولاً إلى مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً للأجيال الحاضرة والقادمة.ع مسيرة التنمية المستدامة ويستجيب لتطلعات شعبها في الحرية والعدالة والعيش الكريم وصولاً إلى مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً للأجيال الحاضرة والقادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى