رأي

بشارة جمعة أرور.. يكتب : المنهج التمهيدي لتهيئة أجواء الحوار السوداني

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التاريخ: 27 أغسطس 2026م

 

بشارة جمعة أرور

 

المنهج التمهيدي لتهيئة أجواء الحوار السوداني

_______________

 

الفكرة المركزية:

 

الحوار السوداني لا ينبغي أن تكون غايته جمع المختلفين حول طاولة الحوار بل ينبغي أن يكون ثمرة مسار وطني تأسيسي ينقل الجميع من اختلاف المواقف إلى فهم المصالح الوطنية ومن التنافس على السلطة إلى تحمل المسؤولية الوطنية في إدارة الدولة ومن إدارة الخلاف إلى صناعة التوافق والإجماع الوطني.

 

فنحن لا نُهيئ للحوار لكي يجلس المختلفون معاً فحسب بل نُهيئهم لكي يصبحوا قادرين على الوصول إلى التوافق وتحمل مسؤولية ما يتوافقون عليه وتحويله إلى مشروع وطني جامع.

 

ومن ثم فإن المنهج التمهيدي الذي نقصده ليس برنامجاً تدريبياً ولا مجموعة من الأنشطة المتفرقة بل إطار فكري ومنهجي وطني حاكم تتكامل في ظله الدراسات والخبرات والورش والندوات والسمنارات وجلسات التفاكر والنقاشات المفتوحة والتدريب ودراسة التجارب وتحليلها واستخلاص دروسها وعبرها والمحاكاة بوصفها أدوات متكاملة لبناء الوعي المشترك وتعميق الفهم وقبول الآخر واكتساب المهارات والممارسة الفعلية وبناء الثقة والتوافق وصولاً إلى استعداد وطني يؤهل لحوار منتج.

 

وبذلك لا تكون هذه الأدوات أنشطة قائمة بذاتها بل حلقات مترابطة في مسار متكامل ينقل المشاركين من المعرفة إلى الفهم _ قبول الآخر _ اكتساب المهارات _ الممارسة الفعلية _ بناء التوافق الوطني وصولاً إلى الحوار المرتجى.

 

الغاية النهائية:

 

الغاية النهائية ليست إعداد المشاركين لحضور الحوار فحسب وإنما بناء قدراتهم واستعدادهم للمشاركة الفاعلة والمسؤولة في صناعته وإدارته وتوجيه مخرجاته وصولاً إلى حوار وطني منتج يبلور رؤية وطنية جامعة وعقداً وطنياً متوافقاً عليه وخطة استراتيجية متماسكة وسياسات عامة رشيدة وبرامج عمل طموحة قابلة للتنفيذ، تستشرف المستقبل وتضع الأسس الراسخة لإعادة تأسيس الدولة السودانية على قاعدة المواطنة وسيادة القانون والعدالة والحكم الرشيد دولة مستقرة قادرة على النهوض واستعادة دورها ومكانتها الريادي.

 

وفي هذا الإطار لا يحتاج السودان إلى أن نختار له من يتحاور باسمه فحسب بل يحتاج إلى منهج وطني شفاف وتوافقي يحدد معايير التمثيل وأسس المشاركة ويُمكن السودانيين من الوصول إلى تمثيل يعكس تنوعهم وتحديد من يمثلهم وكيف يتحاورون وما الذي يتحاورون حوله وكيف تتحول مخرجات الحوار إلى عقد وطني يتسع للجميع.

 

المحور الأول : التشخيص وبناء الوعي الوطني المشترك

 

تشخيص جذور الأزمة السودانية ومظاهرها ونتائجها وتحديد القضايا والأولويات والاحتياجات وبناء أرضية معرفية مشتركة حول الدولة والدستور والمواطنة ونظم الحكم وإدارة التنوع والسلام والاقتصاد والعدالة والحكم الرشيد.

 

ويُستعان بالخبراء والأكاديميين والمختصين في الدراسات والأوراق والمحاضرات والورش والندوات والسمنارات لتحويل المعرفة المتخصصة إلى فهم وطني مشترك.

 

المخرج : تشخيص مؤسس للأزمة ووعي مشترك وأولويات وطنية واضحة قابلة للبناء عليها.

 

المحور الثاني : التفاكر وبناء الثقة والقدرة على التوافق

 

فتح مساحات منظمة للتفاكر والنقاشات المفتوحة والتدريب والحوار والمحاكاة بمشاركة الخبراء والممارسين لتنمية مهارات الاستماع وإدارة الاختلاف وتحليل المصالح والتفاوض والوساطة وتعزيز قبول الآخر وبناء الثقة.

والانتقال من التمترس خلف المواقف والمصالح الجزئية إلى استكشاف المشتركات الوطنية وتجاوز الحسابات الضيقة إلى رحاب المصلحة العامة والارتقاء من صراع المواقع والمواقف إلى صناعة التوافق وبناء الشراكة الوطنية بما يؤسس لإرادة وطنية جامعة تتقدم فيها مصلحة السودان على سواها من المصالح الحزبية والفئوية والجهوية ويصبح الاختلاف وسيلة لإغناء القرار الوطني لا مدخلاً لتعطيله أو إقصاء الآخر.

 

المخرج : امتلاك قدرة عملية راسخة وقابلة للممارسة والقياس على إدارة الاختلاف وبناء الثقة المتبادلة وتحليل المصالح والتفاوض وصناعة التوافق الوطني.

 

المحور الثالث : بلورة الأجندة الوطنية والتمثيل التوافقي

 

تحويل حصيلة التشخيص والمعرفة والتفاكر والخبرة والممارسة إلى أجندة وطنية واضحة الأولويات تنصرف إلى قضايا تأسيس الدولة وإعادة بنائها ومستقبلها لا إلى اقتسام المواقع والمكاسب مع وضع أسس ومعايير موضوعية وشفافة للمشاركة والتمثيل تعكس تنوع السودان وتصون ملكيته الوطنية وإرادته الجامعة.

 

المخرج : أجندة وطنية ناضجة وقابلة للحوار ومعايير تمثيل واضحة وتمثيل توافقي متوازن وشامل يعكس تنوع السودان ويجسد إرادته الوطنية.

 

المحور الرابع : تقويم الاستعداد والانتقال إلى الحوار

 

تقويم مستوى المعرفة والفهم والمهارات والثقة والقدرة على إدارة الاختلاف وبناء التوافق ووضوح الأجندة وملاءمة البيئة من خلال مؤشرات ومعايير قابلة للرصد والقياس والاستفادة من نتائج التفاكر والتدريب والمحاكاة في تحديد مستوى الاستعداد وتحديد الفجوات وقياس مدى معالجتها والتحقق من بلوغ المستوى المطلوب من الاستعداد الوطني.

 

ولا يكون الانتقال إلى الحوار رهناً باكتمال الأنشطة أو انقضاء الزمن بل بتحقق المخرجات وبلوغ المستوى المطلوب من الاستعداد الوطني وفق معايير ومؤشرات متفق عليها سلفاً تُظهر أن الانتقال أصبح مستنداً إلى جاهزية حقيقية لا إلى تقدير انطباعي أو ضغط ظرفي وعندها يُتخذ قرار الانتقال إلى حوار سوداني شامل بقواعد واضحة وأجندة محددة وتمثيل متوازن وآليات مهنية لإدارته ومتابعته وتقويم مخرجاته بما يضمن أن يكون الحوار ثمرة لاستعداد وطني حقيقي لا مجرد استجابة لظرف أو استحقاق زمني.

 

المخرج : استعداد وطني قابل للقياس والتقويم وقرار مؤسس للانتقال إلى حوار سوداني شامل بقواعد وأجندة وتمثيل وآليات واضحة.

 

المبدأ الحاكم :

 

المحاور الأربعة منظومة واحدة مترابطة وتراكمية تحكمها النتائج والقياس والتقويم والتغذية الراجعة ولا تعمل في خطوط منفصلة أو جامدة بل في مسار تفاعلي تتكامل فيه المراحل وتُراجع فيه النتائج باستمرار ويُعاد بناء ما يحتاج إلى معالجة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية فلا تُقاس قيمة المنهج بكثرة أنشطته وإنما بما يُنتجه من وعي وفهم وثقة وقدرة على إدارة الاختلاف وصناعة التوافق.

 

وتظل الملكية والإرادة السودانية أساساً حاكماً للمنهج مع الاستفادة من الخبرات الإقليمية والدولية في نقل المعرفة والخبرة ودراسة التجارب واستخلاص ما يلائم الواقع السوداني منها بوصفها خبرة مسانداً تُغني المنهج ولا تُملي خياراته ودعماً يعزز القرار الوطني ولا يحل محله.

 

المسار الحاكم : ( تشخيص/ وعي مشترك فهم/ قبول الآخر/ مهارة وممارسة، ثقة، توافق/ أجندة وطنية/ تمثيل توافقي/ استعداد وطني، حوار منتج/ عقد وطني/ إعادة تأسيس الدولة ).

 

فالغاية ليست الاتفاق على كل شيء وإنما بلوغ أوسع توافق وإجماع ممكن حول المصالح الوطنية العليا في إطار المسؤولية الوطنية وإدارة ما تبقى من اختلاف بصورة سلمية ومؤسسية بما يُمكن السودانيين من إدارة اختلافهم وإنهاء دوائر الصراع وإعادة تأسيس دولتهم وصياغة مستقبل مشترك يتسع للجميع.

 

والخلاصة : أن نُحسن إعداد الحوار قبل أن نُحسن عقده وأن نبني القدرة على التوافق قبل أن نطلبه وأن نجعل المسؤولية الوطنية أساساً للمشاركة والحوار والمخرجات فالحوار الناجح لا يبدأ حين يجلس المتحاورون إلى الطاولة بل يبدأ قبل ذلك بكثير حين تُبنى مقوماته ويُختبر الاستعداد له وتُحدد أجندته وتُهيأ بيئته وتُبنى القدرة على تحويل الاختلاف إلى تفاهم ثم تحويل التفاهم إلى التوافق والإلتزام ومن ثم إلى فعل وطني وبذلك يغدو الحوار ليس مجرد محطة لمعالجة الأزمة وإنما نقطة تحول جذري تاريخي كبير وتغيير حقيقي من إدارة الخلاف إلى صناعة التوافق ومن إدارة الأزمة إلى إعادة تأسيس الدولة السودانية وصياغة مستقبلها المشترك.

 

بشارة جمعة أرور

27 أغسطس 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى