بشارة جمعة أرور يكتب العلاقات السودانية الأمريكية والتحولات الاستراتيجية(1-2)
كيف انتقل السودان من المسارات التقليدية إلى الحسابات الاستراتيجية؟

العلاقات السودانية الأمريكية لم تعد مجرد فصل من فصول السياسة الخارجية الأمريكية تجاه السودان ولا مجرد علاقة ثنائية تحكمها تقلبات التعاون والاختلاف وإنما أصبحت في ظل التحولات الكبرى المتسارعة التي يشهدها السودان والإقليم والعالم جزءاً من معادلة استراتيجية أوسع تتداخل فيها اعتبارات الأمن الإقليمي والدولي وأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والتنافس على النفوذ في أفريقيا والقرن الأفريقي وحركة التجارة والطاقة والموارد الطبيعية وموازين القوى الدولية ومستقبل الدولة السودانية ذاتها.
ولفهم طبيعة هذا التحول لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء لأن العلاقات السودانية الأمريكية لم تكن مستقرة على نمط واحد منذ استقلال السودان وإنما مرت بمراحل متعاقبة من التقارب والتباعد والقطيعة وإعادة الانفتاح وكانت في معظم مراحلها انعكاسًا للتحولات الدولية والإقليمية أكثر من كونها تعبيرًا عن طبيعة العلاقة الثنائية بين البلدين.
فقد أقامت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع السودان عقب الاستقلال عام 1956م، ثم قطعت الخرطوم العلاقات معها عام 1967م قبل أن تُستأنف عام 1972م، ولم تكد العلاقة تستعيد عافيتها حتى تعرضت لاختبار بالغ الخطورة في مارس 1973م، عندما اقتحم مسلحون من منظمة أيلول الأسود الفلسطينية السفارة السعودية في الخرطوم واحتجزوا عدداً من الدبلوماسيين رهائن، بينهم السفير الأمريكي كليو نويل ونائب رئيس البعثة جورج كيرتس مور، قبل أن يقتلوهما إلى جانب الدبلوماسي البلجيكي، أعقبتها أزمة دبلوماسية عام 1974م، على خلفية التعامل مع منفذي العملية، ثم عادت العلاقات إلى قدر من التحسن في منتصف السبعينيات، قبل أن تدخل بعد وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة عام 1989م، مرحلة جديدة من التوتر والعقوبات والصدام حول ملفات الإرهاب والأمن والسياسة الإقليمية، وصولاً إلى إدراج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1993م، وإغلاق السفارة الأمريكية في الخرطوم عام 1996م، ثم عادت السفارة إلى العمل عام 2002م، وتزامن ذلك مع انخراط أمريكي متزايد في قضايا السلام السودانية، وصولاً إلى اتفاقية السلام الشامل عام 2005م، وفي يناير 2008م قُتل الدبلوماسي الأمريكي جون غرانفيل وسائقه السوداني في هجوم مسلح بالخرطوم في حادثة أعادت ملف أمن المصالح الأمريكية والإرهاب إلى واجهة العلاقة.
ثم بدأ المسار يتغير تدريجياً بعد 2017م مع رفع جانب مهم من العقوبات الاقتصادية وصولاً إلى رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 2020م، في تحول فتح الباب أمام إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية ورافقته محاولة أمريكية لدعم الانتقال السياسي في السودان.
لكن حرب أبريل 2023م أعادت العلاقة إلى دائرة الأزمة والضغط ووضعتها أمام واقع مختلف تماماً إذ لم تعد واشنطن تتعامل مع السودان في إطار الثنائية التقليدية أو من خلال الملفات السياسية والاقتصادية وحدها وإنما أصبحت أمام اعتبارات أوسع تتصل بالأمن الإقليمي والتنافس الدولي على السودان وموقعه الاستراتيجي وهو ما دفعها إلى إعادة النظر في طبيعة تعاملها مع السودان وفي مستوى انخراطها في أزمته.
وهنا تكمن أهمية المرحلة الراهنة فالحرب لم تعد مجرد نزاع سوداني داخلي يمكن التعامل معه باعتباره صراعاً على السلطة وإنما أصبحت بيئة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة وتتداخل فيها حركة السلاح والمال والموارد والشبكات العابرة للحدود مع الجغرافيا السياسية للسودان وموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر.
ومن هنا فإن فهم التحول الراهن في الموقف الأمريكي تجاه السودان لا يمكن فصله عن المسار التاريخي للعلاقة، ولا عن التحولات التي أعادت السودان إلى دائرة الاهتمام الدولي إذ لم يعد السؤال فقط: ماذا تريد واشنطن من السودان؟ وإنما أصبح: كيف يستطيع السودان أن يدير هذه العلاقة بما يحفظ سيادته ويخدم مصالحه الوطنية ويوظف موقعه الجيوسياسي والجيواستراتيجي، ويحول تنافس القوى الدولية والإقليمية عليه من مصدر للضغط إلى أوراق قوة ومجال للمناورة وتحقيق المصالح الوطنية.
وفي معظم تلك المراحل، لم تنظر واشنطن إلى السودان بوصفه شريكاً متكافئاً بالمعنى الاستراتيجي، بقدر ما تعاملت معه من خلال مجموعة من الملفات التي كانت تحدد مستوى العلاقة وطبيعة الانخراط الأمريكي فيها من الحرب الأهلية في الجنوب وأزمة دارفور إلى مكافحة الإرهاب والعقوبات وحقوق الإنسان فضلاً عن علاقات السودان بالقوى الإقليمية والدولية.
لقد أكدت التطورات الأخيرة أن التدخلات الخارجية لم تعد عنصراً هامشياً أو ثانوياً في الحرب بل أصبحت أحد العوامل المؤثرة في تشكيل مساراتها ومآلاتها وعنصراً فاعلاً في بنية الأزمة واستمرارها.
ويؤكد ذلك تقرير بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، الصادر في 3 سبتمبر 2026م، الذي كشف عن شبكات عابرة للحدود تمد قوات الدعم السريع بالسلاح والتقنيات والمقاتلين والمرتزقة والتدريب والدعم اللوجستي محذراً من أن هذا التدفق الخارجي يطيل أمد الحرب ويعزز قدرتها على إلحاق الأذى بالمدنيين، ومحدداً الإمارات العربية المتحدة ضمن البلدان التي تنطلق منها بعض الكيانات والوسطاء والمجندين المرتبطين بهذه الشبكات بما يكشف خطورة منظومة الدعم الخارجي على فرص إنهاء الحرب.
ومن هذه الزاوية تحديداً يجب أن نقرأ التحول في التعاطي الأمريكي مع السودان.
فالعلاقات السودانية الأمريكية لم تعد تُدار من خلال القنوات الدبلوماسية التقليدية وحدها ولم تعد ملفات السودان تُترك لدوائر الخبراء والموظفين المختصين داخل مؤسسة الخارجية الأمريكية بل انتقلت في ظل التطورات المتسارعة إلى مستوى أعلى من الاهتمام السياسي المباشر بما يعكس إدراكاً متزايداً في واشنطن بأن قضية السودان لم يعد مجرد ملف إقليمي محدود وإنما أصبح جزءاً من معادلات أوسع تتصل بالأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية وأمن البحر الأحمر وحركة التجارة والطاقة والتنافس الدولي على النفوذ في أفريقيا والقرن الأفريقي.
وقد بدا هذا التحول أكثر وضوحاً مع تصاعد انخراط إدارة الرئيس دونالد ترامب في الملف السوداني وظهور مسعد بولس بوصفه أحد أبرز المسؤولين الأمريكيين المعنيين بالملف إلى جانب وزير الخارجية ماركو روبيو بما يعكس انتقال القضية من نطاق الوساطة المحدودة إلى مستوى أكثر ارتباطاً بصناعة القرار السياسي الأمريكي ولم يعد الأمر متعلقاً فقط بوقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات الإنسانية وإنما بدأ يرتبط بصورة أوسع بكيفية إنهاء الحرب ومنع استمرار شبكات التسليح والدعم الخارجي والتعامل مع التداعيات الإقليمية للأزمة.
وقد أكد بولس في فبراير 2026 أن حل أزمة السودان يمثل اهتماماً عميقاً للرئيس ترامب كما عادت واشنطن في سبتمبر 2026م إلى الدفع بقوة نحو هدنة إنسانية وخطة سلام شاملة بالتوازي مع تحرك أمريكي في مجلس الأمن لتوسيع حظر السلاح على السودان.
ولذلك يجب أن نحلل هذا التطور في إطار الصورة الكبرى لا من خلال القراءة اليومية لتحركات الوسطاء والتصريحات السياسية وحدها.
فعندما يقال إن الرئيس الأمريكي يتولى ملفاً بصورة شخصية فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن فقدت أدواتها الدبلوماسية أو أن المسار السابق قد فشل وإنما قد يعني في بعض الحالات أن القضية أصبحت أكثر ارتباطاً بحسابات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية العليا وأن مستوى القرار المتصل بها ارتفع من الدوائر التنفيذية والدبلوماسية إلى مستوى القيادة السياسية العليا.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحديث عن تولي الرئيس دونالد ترامب ملف السودان بصورة شخصية باعتباره مؤشراً على أن قضية الحرب وتطورات الأوضاع في السودان بدأت تحتل موقعاً أكثر أهمية في الحسابات الأمريكية وأن الملف لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً سودانياً داخلياً أو أزمة إنسانية منفصلة عن البيئة الاستراتيجية المحيطة به.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هنا: لماذا أصبح ملف السودان تحديداً يحظى بهذا المستوى من الاهتمام لدى البيت الأبيض والرئيس ترامب شخصياً ولماذا يأتي هذا التحول في هذا التوقيت بالذات؟
الاعتبار الأول: يتعلق بالموقع الجغرافي، فالسودان يمتلك واحداً من أهم المواقع الاستراتيجية على البحر الأحمر ويطل على ممر بحري ترتبط به حركة التجارة العالمية والطاقة والملاحة الدولية كما يمثل حلقة وصل بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشرق أفريقيا وشمالها وعمقها الأفريقي والعربي.
ومن ثم فإن استقرار السودان أو انهياره لا يبقى محصوراً داخل حدوده بل يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة وحركة الطاقة والأمن الإقليمي.
وهذا يجعل الساحل السوداني وموانئه وموقعه البحري جزءاً من حسابات أوسع من مجرد العلاقات الثنائية بين الخرطوم وواشنطن.
فالدولة التي تمتلك هذا الموقع لا يمكن أن تكون بعيدة عن حسابات القوى الكبرى ولا سيما في مرحلة تتصاعد فيها الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي ويتزايد فيها التنافس الدولي على الموانئ والممرات البحرية ومراكز النفوذ.
أما الاعتبار الثاني: فيتعلق بالتنافس الدولي والإقليمي على النفوذ، فالسودان يقع في منطقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة مسرحاً لتنافس متزايد بين قوى دولية وإقليمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى جانب قوى إقليمية تمتلك مصالح سياسية وأمنية واقتصادية مباشرة في السودان والبحر الأحمر.
ومن هنا لا يمكن النظر إلى الحديث عن الوجود الروسي في السودان أو الاهتمام الصيني بالبنية التحتية والتجارة والموارد باعتباره مجرد علاقات اقتصادية أو عسكرية منفصلة؛ فالسودان يمثل بالنسبة لبعض هذه القوى بوابة إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشرق أفريقيا كما يمثل مجالاً مهماً للوصول إلى الموارد والأسواق وممرات التجارة.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن أهمية السودان بالنسبة لروسيا تتجاوز مجرد فكرة المنشأة البحرية المقترحة في بورتسودان لتشمل النفوذ الجيوسياسي والتعاون العسكري والمصالح الاقتصادية والموارد وموقع السودان في الاستراتيجية الروسية تجاه البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
أما الاعتبار الثالث: فيتعلق بأن الفراغ الناشئ عن ضعف الدولة السودانية وتراجع قدرتها على أداء وظائفها والاضطلاع بدورها الإقليمي قد يتحول إلى فرصة استراتيجية لإعادة بناء النفوذ الأمريكي في منطقة شديدة الأهمية قبل أن تملأ هذا الفراغ قوى أخرى.
فحين تضعف الدولة وتتراجع قدرة مؤسساتها لا يبقى الفراغ الجيوسياسي طويلًا إذ سرعان ما تتقدم القوى التي تملك القدرة والمصلحة على ملئه سواء عبر الاقتصاد أو الأمن أو السياسة أو الموارد أو العلاقات مع الأطراف المحلية.
وهنا تتزاحم الأسئلة الحقيقية: من يربح الحرب، ومن سيحدد شكل السودان بعد الحرب، ومن سيؤثر في موقعه الإقليمي، ومن سيحدد طبيعة علاقاته الخارجية وموانئه وموارده وشبكات تجارته وأمنه ؟
فهذه الأسئلة تتجاوز في دلالاتها حدود الصراع العسكري المباشر لتلامس جوهر الصراع على مستقبل الدولة وموقعها ودورها في محيطها الإقليمي والدولي.
وهي تكشف أن السودان اليوم لم يعد مجرد ساحة لصراع داخلي وإنما أصبح جزءاً من تنافس أوسع على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وما يرتبط بها من موازين النفوذ والمصالح والأمن الإقليمي والدولي.
وبعبارة أوضح، فإن مسعد بولس لم يكن يتحرك بالضرورة بمعزل عن سياسة أمريكية أوسع كما أن ماركو روبيو لا ينبغي النظر إليه باعتباره يتحرك كشخص منفصل عن منظومة صناعة القرار فالمسار الدبلوماسي كان جزءاً من سياسة أوسع ويبدو أن الملف ينتقل الآن إلى مستوى أعلى من الانخراط السياسي المباشر داخل البيت الأبيض، وصولاً إلى الرئيس شخصياً.
وهذا التحول، إذا قُرئ بصورة صحيحة لا ينبغي أن يُفسر باعتباره خروجاً عن المسار الدبلوماسي أو فقداناً للسيطرة على الملف بل يمكن أن يكون العكس تماماً أن الملف أصبح أكثر أهمية وأن أدوات التعامل معه باتت تتجاوز الوساطة التقليدية إلى مزيج من الدبلوماسية والضغط السياسي والاقتصادي والأمني وأن السودان بدأ يدخل بصورة أوضح في الحسابات الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة.
وفي ضوء هذا التحول، فإن قراءة الموقف الأمريكي لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: ماذا تريد واشنطن أن تفعل في السودان؟
بل ينبغي أن تمتد إلى سؤال أعمق: لماذا أصبح السودان مهماً لهذه الدرجة في هذه اللحظة؟ وما الذي تغير في البيئة الدولية والإقليمية حتى انتقل السودان من ملف دبلوماسي متعثر إلى قضية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى؟
والإجابة عن هذا السؤال هي المدخل الحقيقي لفهم المرحلة المقبلة لأن الحرب السودانية لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأرض أو مؤسسات الدولة وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بإعادة تشكيل موقع السودان في النظام الإقليمي والدولي…، ولذلك فإن أي قراءة جادة لمستقبل السودان لا بد أن تضع في اعتبارها أن نهاية الحرب لن تعني بالضرورة نهاية الصراع على السودان وإنما قد تكون بداية مرحلة جديدة من التنافس على اتجاه الدولة وموقعها وتحالفاتها ومواردها ودورها الإقليمي.
وعند هذا المنعطف تبرز المسألة الأكثر أهمية: إذا كان السودان قد أصبح جزءاً من الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى فماذا يريد السودان من هذه القوى؟ وكيف يستطيع أن يتعامل مع هذا الاهتمام الدولي المتزايد دون أن يتحول إلى ساحة صراع جديدة؟
وهل يمكن للسودان أن يحول موقعه الجغرافي وموارده وثقله الإقليمي من مصادر للتدخل الخارجي إلى أوراق قوة في بناء دولة مستقلة وقادرة على حماية مصالحها؟
والإجابة عن هذه الأسئلة تقود مباشرة إلى المعنى الأعمق لمعركة السيادة:فليست السيادة مجرد رفض للتدخل في شؤون السودان، بل امتلاك القدرة على إدارة موقعه الاستراتيجي وتوظيف أوراق قوته وتحويل تنافس القوى الكبرى عليه من مصدر للتهديد والتدخل في شؤونه إلى مساحة للمناورة وتحقيق المصالح.
وهذا هو السؤال الذي نفتح ملفه في الحلقة الثانية.








