بشارة جمعة أرور يكتب العلاقات السودانية الأمريكية والتحولات الاستراتيجية (2-2)
كيف انتقل السودان من المسارات التقليدية إلى الحسابات الاستراتيجية؟

السودان يقلب طاولة تنافس القوى الكبرى ويفرض واقعاً جديداً يعيد تعريف موقعه الاستراتيجي ومقدراته بوصفها أوراقاً مؤثرة في موازين التنافس الجيوسياسي والجيواستراتيجي بما يستدعي إعادة قراءة معادلات القوة والحسابات التقليدية والنظر إلى أوراق قوته لا بوصفها موارد قابلة للاستغلال وإنما أدوات لبناء النفوذ وحماية المصالح الوطنية وصون القرار السيادي.
وهنا يتكشف جوهر المسألة: فمعركة السيادة لا تُختزل في رفض التدخل الخارجي، بل في امتلاك الدولة القدرة على إدارة موقعها وتوظيف أوراق قوتها وتحويل التنافس الدولي حولها من مصدر للتهديد والوصاية إلى مجال للمناورة الذكية وصناعة المصالح وصون السيادة الوطنية.
فالسيادة في عالم تتشابك فيه المصالح لا تعني الانغلاق عن العالم وإنما القدرة على الانفتاح عليه دون الارتهان وبناء الشراكات والتكتلات الإقليمية والدولية دون التحول إلى تابع والتعامل مع التنافس الدولي بما يحفظ مصالحه، ويحول دون أن يصبح السودان ساحة لصراعاته.
فإذا كانت الحلقة الأولى قد انشغلت بتفكيك التحول في النظرة الأمريكية إلى السودان فإن هذه الحلقة تنتقل إلى السؤال الأهم: كيف يتعامل السودان مع هذا التحول من منظور المصلحة الوطنية؟ فالسودان ليس مجرد متلقي للسياسات الدولية وإنما طرف يستطيع متى امتلك الرؤية والأدوات أن يؤثر في اتجاهاتها ومآلاتها.
وإذا استمر تصاعد الاهتمام الأمريكي به فإن ذلك قد يؤثر في مسار الحرب والحل معاً بالنظر إلى ما تملكه واشنطن من أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية وإلى ارتباط السودان بحسابات أوسع تتصل بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي وتنافس القوى الكبرى.
ومن هنا يتغير السؤال: من ماذا تريد واشنطن من السودان؟ إلى: ماذا يريد السودان من واشنطن وما الذي يستطيع أن يفاوض عليه، وما الذي يجب أن يبقى خارج دائرة التفاوض؟
وعليه، فإن إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة ينبغي أن تقوم على منطق الاحترام والمصالح المتبادلة، لا الرفض المطلق ولا الهوان والارتهان فالمطلوب رؤية وطنية واضحة تحدد ما يريده السودان من العلاقة الأمريكية وما يمكن أن يتعاون بشأنه وما يرفضه وما يجب أن يبقى خاضعاً حصرياً للسيادة والقرار الوطني.
ومصالح السودان في هذه العلاقة واضحة: إنهاء الحرب والحد من التدخلات الخارجية وتحقيق السلام الاستقرار وإعادة الإعمار وجذب الاستثمار وبناء مؤسسات الدولة، وإطلاق مسار سياسي يفضي إلى إعادة بناء دولة مستقرة وقادرة على النهوض.
غير أن تحقيق هذه المصالح يتطلب الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادأة والمبادرة ومن انتظار ما يقدمه الآخرون إلى بناء أجندة سودانية واضحة تُعرف المصالح والأولويات والحدود التفاوضية وتحول العلاقة مع واشنطن من ملف تديره الظروف إلى شراكة تُدار وفق حسابات الدولة ومصالحها.
وهنا تتصل إدارة العلاقة الخارجية بجوهر السيادة؛ فالسيادة ليست مجرد منع الآخرين من الدخل في الشؤون الداخلية والاقتراب من السودان، وإنما امتلاك القدرة على تحديد اتجاهه وحماية مصالحه والتفاوض عليها وهذه القدرة لا تُبنى بالشعارات والأماني، بل بدولة قوية موحدة، وقرار وطني مستقل ومؤسسات راسخة. فالسودان يمتلك موقعاً استراتيجياً وساحلاً طويلًا على البحر الأحمر وموانئ مهمة وموارد زراعية وحيوانية ومعدنية وبحرية، لكن هذه المقومات لا تتحول إلى قوة إلا بقدرة الدولة على حمايتها وإدارتها وتوجيه عوائدها وإلا تحولت من رافعة للتنمية إلى أدوات للصراع والنفوذ وتمويل الحرب فالموقع الجغرافي لا يصبح نفوذاً لوحده بمجرد وجوده والثروة لا تصبح قوة تنافس بها بمجرد امتلاكها وإنما تتحول الجغرافيا والموارد إلى قوة حين تمتلك الدولة القدرة المؤسسية على حمايتها واستثمارها وربطها باقتصاد منتج وسياسة خارجية فاعلة.
ولذلك فإن بناء الدولة بعد الحرب هو جوهر معركة السيادة ولا ينبغي أن تكون نهاية القتال مجرد وقف لإطلاق النار، بل بداية لإعادة تأسيس مؤسسات الدولة وقرارها السياسي والاقتصادي والأمني بحيث يصبح السلام مدخلاً لاستعادة الدولة لا مجرد هدنة فالدولة الضعيفة لا تستطيع حماية سيادتها مهما امتلكت من موارد وموقع الاستراتيجي والدولة المنقسمة لا تستطيع إدارة موقعها مهما بلغت أهميته ولذلك فإن إعادة بناء الدولة ليست مرحلة لاحقة للسياسة الخارجية، بل هي شرطها الأول ومصدر قوتها التفاوضية.
وفي البيئة الدولية الجديدة، لا يحتاج السودان إلى اختيار موقعه بين واشنطن وموسكو وبكين، وإنما إلى سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة تقوم على تنويع العلاقات وتعظيم هامش القرار الوطني. فالتعاون يكون حيث تتوافق المصالح، والشراكة والتكتل حين تخدم الأهداف الوطنية والرفض عندما تمس الضغوط السيادة أو تتجاوز المصالح السودانية.
وفي هذه الظروف يمكن للسودان أن يطور علاقاته مع الولايات المتحدة بالتوازي مع علاقات متوازنة مع الصين وروسيا والدول العربية والأفريقية والأوروبية دون أن تتحول أي قوة خارجية إلى صاحب القرار في مستقبله. والتوازن لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الجميع وإنما امتلاك القدرة المعرفية وحرية الحركة بين الشركاء وفقاً للمصلحة الوطنية بحيث لا تتحول الشراكة إلى اصطفاف ولا التعاون إلى تبعية والانفتاح إلى ارتهان.
ومن هذا المنطلق، فإن التنافس الدولي على السودان ليس بالضرورة تهديداً في ذاته فالتهديد الحقيقي هو أن يتحول السودان إلى ساحة لهذا التنافس بدل أن يكون طرفاً فيه وقد كشفت المبادرات الدولية والإقليمية التي طُرحت خلال الحرب، من جدة إلى الاتحاد الأفريقي والإيقاد وغيرها، أن المشكلة ليست في تعدد المبادرات بقدر ما هي في غياب إطار وطني يحولها إلى أدوات تخدم رؤية سودانية واحدة فالمساندة الخارجية يمكن أن تساعد في صناعة السلام لكنها لا تستطيع أن تمنح السودان إرادة وطنية أو تبني دولته نيابة عنه.
ولذلك تقع المسؤولية الأساسية على عاتق السودانيين في بناء حد أدنى من الثوابت الوطنية؛ “وحدة السودان وسيادته، رفض تحويله إلى ساحة لصراع المحاور، حماية موارده، توحيد مؤسساته، سيادة القانون، المشاركة والعدالة وبناء نظام حكم قادر على إدارة التنوع.” والأهم أن يمتلك السودان في تعامله مع القوى الدولية تصوراً واضحاً لمصالحه الحيوية وأوراق قوته وحدوده التفاوضية فلا يدخل التفاوض بمنطق الاستجابة للضغوط وإنما بمنطق تبادل المصالح فالقوة التفاوضية لا تنشأ من حجم الموارد وحده وإنما من القدرة على إدارتها ووحدة القرار، ووضوح الرؤية وتعدد البدائل والشركاء.
وهذا يقود إلى السؤال الاستراتيجي الأوسع: أي سودان سيخرج من الحرب؟ فالتنافس الدولي عليه سيستمر بحكم موقعه وموارده وساحله على البحر الأحمر لكن الفارق سيكون في قدرة الدولة السودانية على مواجهة تحديات هذا التنافس وتحديد موقعها داخله، فإذا خرج السودان بدولة ضعيفة ومؤسسات منقسمة وقرار وطني مشتت تحولت جغرافيته وموارده إلى منافذ للتدخل والنفوذ أما إذا خرج بدولة موحدة ومؤسسات قوية ورؤية وطنية واضحة فإنه يستطيع أن يحول الجغرافيا إلى قوة والموارد إلى تنمية والعلاقات الدولية إلى تعاون وشراكات تخدم مصالحه.
لذلك نؤكد أن القوة الخارجية للسودان تبدأ من تماسكه الداخلي وكلما توحد القرار الوطني واستقرت مؤسسات الدولة وتعززت القدرات الاقتصادية واتسعت قاعدة التوافق الوطني ارتفعت قدرة السودان واتسع هامش حركته وأصبح موقعه الجغرافي ومقدراته الوطنية أدوات نفوذ لا أبواباً للتدخل في شؤونه.
فإن المخرج الاستراتيجي للسودان لا يكمن في اختيار واشنطن أو موسكو أو بكين، ولا في الانغلاق عن العالم وإنما في بناء دولة قوية ذات سيادة تعرف ماذا تريد وتمتلك من القوة والمؤسسات والإرادة ما يمكنها من التفاوض مع العالم على أساس مصالحها، فالسودان لا يحتاج إلى الخروج من التنافس الدولي، بل إلى الخروج من موقع الساحة التنافسية على موارده إلى موقع الفاعل في رسم الخيارات، وعندها فقط تصبح الجغرافيا قوة والموارد ثروة والعلاقات الخارجية أدوات للمصلحة الوطنية والتنافس الدولي فرصة للمناورة لا مدخلاً للوصاية.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط أن تنتهي الحرب، وإنما أن تبدأ بعدها إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تجعل السودان قادراً على امتلاك قراره وإدارة موقعه وحماية موارده وتوظيف علاقاته والدخول في النظامين الإقليمي والدولي بوصفه دولة قوية ومؤثرة وتمتلك الرؤية والقوة والمؤسسات التي تجعل من موقعها الاستراتيجي ومصالحها الوطنية والتنافس حولها أصلاً من أصول قوتها التفاوضية في عالم تتصارع فيه القوى حول الموارد والمواقع بحيث لا يتحول التنافس الدولي حول السودان إلى ساحة تُفرض عليه فيها الخيارات أو تُتخذ من خارج إرادته الوطنية ولا إلى مدخل للوصاية عليه، بل إلى مجال يوظفه لحماية مصالحه وتعزيز نفوذه وصون قراره السيادي.








