رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : هل ارتكبت امريكا أكبر أخطائها الاستراتيجية بحربها على إيران؟

في حوار مطوّل بثه برنامج «تقرير كريس هيدجز» علي منصته في اليوتيوب في 29 أغسطس 2026، قدّم أستاذ العلاقات الدولية الأميركي جون ميرشايمر قراءة شديدة التشاؤم لمسار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. وذهب إلى أن واشنطن لم تفشل في تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية فحسب، بل ساعدت، من حيث لم تقصد، على تعزيز مكانة إيران وإضعاف شبكة القواعد والتحالفات الأميركية في الشرق الأوسط.

يحمل الحوار عنواناً مثيراً: «الحرب على إيران هي أكبر خطأ استراتيجي في تاريخ الولايات المتحدة». لكن أهمية النقاش لا تكمن في العنوان وحده، بل في السؤال الذي يطرحه: كيف تُقاس نتائج الحرب؟ هل تُقاس بعدد المواقع التي دُمّرت، أم بمدى تحقيق الأهداف السياسية التي بدأت الحرب من أجلها؟

هل حققت الحرب أهدافها؟

يرى ميرشايمر أن الولايات المتحدة دخلت الحرب وهي تسعى إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية: القضاء على قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، وإنهاء برنامجها للصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وقطع صلاتها بحلفائها في المنطقة، ولا سيما الحوثيين وحزب الله وحماس، ثم إحداث تغيير في النظام الإيراني.

وبحسب تقييمه، لم يتحقق أي من هذه الأهداف. فلم تُنهَ قدرة إيران على التخصيب، ولم يُقضَ على برنامجها الصاروخي، ولم تنقطع صلاتها بحلفائها، كما لم يسقط النظام. ولهذا لخّص النتيجة بعبارة واضحة: «كانت لدينا أربعة أهداف، والنتيجة صفر من أربعة».

هذه الفكرة تمثل جوهر التحليل؛ إذ يفرّق ميرشايمر بين النجاح التكتيكي والنجاح الاستراتيجي. قد تستطيع دولة متفوقة عسكرياً تدمير منشآت وقواعد ومخازن أسلحة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها حققت غرضها السياسي. وقد أثبتت حروب سابقة، من فيتنام إلى أفغانستان والعراق، أن التفوق في القوة النارية لا يضمن الوصول إلى النتيجة السياسية المطلوبة.

بل إن الحرب، وفقاً لميرشايمر، ربما أنتجت عكس ما أرادته واشنطن. فقد ازدادت أهمية الصواريخ الإيرانية بوصفها وسيلة ردع، وتعزز التعاون بين طهران وحلفائها، بينما أصبحت العودة إلى اتفاق نووي أكثر تعقيداً. وإذا شعرت القيادة الإيرانية بأن وجود الدولة أو النظام بات مهدداً، فقد تزداد دوافعها إلى امتلاك سلاح نووي بدلاً من التخلي عن قدراتها النووية.

من التفوق العسكري إلى قوة الإكراه

يركز ميرشايمر على تحول مهم في ميزان القوة. فالولايات المتحدة لا تزال الدولة الأقوى عسكرياً، لكنها لا تمتلك بالضرورة القدرة على إجبار إيران على الاستسلام لشروطها. وفي المقابل، استطاعت إيران استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والضغط على الملاحة في مضيق هرمز لإلحاق تكاليف كبيرة بالولايات المتحدة وحلفائها.

وهنا ينبغي التمييز بين «القوة العسكرية الشاملة» و«قوة الإكراه». قد تكون الولايات المتحدة أكثر امتلاكاً للطائرات والسفن والأسلحة المتطورة، لكن إيران تستفيد من قربها الجغرافي، وانتشار أهداف أميركية ثابتة في دول الخليج، وقدرتها على تهديد منشآت النفط والموانئ والقواعد العسكرية وخطوط الملاحة.

كما أن اعتراض صاروخ أو طائرة مسيّرة رخيصة نسبياً قد يتطلب صاروخاً دفاعياً تبلغ تكلفته أضعاف تكلفة السلاح المهاجم. ومع استمرار الحرب، تتحول المسألة إلى منافسة بين المخزونات والقدرة على الإنتاج والتعويض. وقد أشار تقرير رقابي أميركي لاحق إلى خسائر في طائرات ومعدات، وأضرار لحقت بقواعد ومنشآت دبلوماسية، إلى جانب نقص في بعض الذخائر المتقدمة، وقدّر تكلفة الحرب خلال الفترة التي تناولها بنحو 37.5 مليار دولار. وهذا يمنح جانباً من تحليل ميرشايمر دعماً عملياً، وإن لم يثبت جميع استنتاجاته بصورة قاطعة.

ويرى ميرشايمر أيضاً أن تركيز الموارد العسكرية في الشرق الأوسط يضعف قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها في مناطق أخرى، خصوصاً شرق آسيا وأوروبا. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، ليست بلا حدود، ونقل أنظمة الدفاع الجوي والسفن والذخائر إلى جبهة معينة يعني تقليل المتاح منها في جبهات أخرى.

ضرب الحصار الاقتصادي علي ايران

بعد تعثر الضغط العسكري، أطلقت إدارة الرئيس دونالد ترامب حملة جديدة تحت اسم «عملية الحصار الاقتصادي»، تستهدف قطع الموارد المالية التي تعتمد عليها إيران، وتشديد العقوبات الثانوية على البنوك والشركات والدول التي تواصل التعامل معها. ووفق الإعلان الرسمي، تسعى العملية إلى استهداف صادرات النفط، وشبكات الالتفاف على العقوبات، والعملات الرقمية، والحصول على التقنيات المتقدمة.

ويصف ميرشايمر هذه الخطوة بأنها محاولة أخيرة لإنقاذ سياسة لم تحقق أهدافها عسكرياً. ويشكك في قدرتها على إجبار إيران على الاستسلام، لأن الحصار الاقتصادي يحتاج إلى وقت طويل، ولأن الصين وروسيا وشبكات التجارة غير الرسمية تستطيع توفير منافذ تساعد طهران على الصمود.

هذا التقدير له وجاهته، لكنه يحتاج إلى بعض التحفظ. فالعقوبات لا يلزم أن تحقق انهياراً كاملاً حتى يكون لها أثر؛ إذ يمكنها زيادة تكاليف المعاملات، وتقليل الإيرادات، وتعقيد الحصول على التكنولوجيا والتمويل. غير أن نجاحها في إحداث تغيير سياسي كبير يظل مسألة مختلفة. فهناك فرق بين إضعاف الاقتصاد الإيراني وبين إجبار القيادة الإيرانية على التخلي عن قضايا تعتبرها مرتبطة بأمن النظام وبقاء الدولة. وحتى بعض التحليلات الأميركية المؤيدة للضغط تقر بأن رفع تكلفة تعامل إيران مع العالم أسهل بكثير من منعها فعلياً من تمويل الحرب.

ويحتل مضيق هرمز مكاناً مركزياً في الحوار، لأن أي اضطراب طويل في الملاحة قد يرفع تكاليف الطاقة والشحن ويزيد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للنفط. كما أن اتساع المواجهة في اليمن والبحر الأحمر قد يضيف مخاطر جديدة إلى طرق التجارة.

لكن هذه التداعيات تظل، في سياق تقييم الحرب، نتيجة ثانوية للصراع وليست موضوعاً مستقلاً. فالمسألة الأساسية بالنسبة إلى ميرشايمر هي أن الولايات المتحدة لم تحقق أهدافها السياسية، بينما أصبحت إيران وحلفاؤها قادرين على رفع كلفة الحرب عسكرياً واقتصادياً من دون تقديم تنازلات جوهرية.

هل هي بالفعل أكبر غلطة في التاريخ الأميركي؟

يضع ميرشايمر الحرب على إيران فوق حرب العراق من حيث خطورتها الاستراتيجية. وحجته أن الولايات المتحدة، رغم كارثة العراق، تمكنت على الأقل من إسقاط نظام صدام حسين واحتلال البلاد، بينما لم تحقق في إيران أياً من أهدافها الأربعة، وتعرضت في الوقت نفسه لخسائر عسكرية واقتصادية ودبلوماسية واسعة.

لكن وصف الحرب بأنها «أكبر خطأ استراتيجي في تاريخ الولايات المتحدة» يظل حكماً مبكراً. فالحرب لم تنته بعد، ونتائجها النهائية لم تتضح. كما أن التاريخ الأميركي شهد إخفاقات كبرى، مثل حرب فيتنام، وغزو العراق، والحرب الطويلة في أفغانستان. والمقارنة الموضوعية بينها تحتاج إلى معايير محددة تشمل الخسائر البشرية والمالية، ومدة الحرب، وتأثيرها في التحالفات، ومكانة الولايات المتحدة، والاقتصاد العالمي، ونتائجها الإقليمية طويلة المدى.

لذلك يمكن القول إن ميرشايمر يقدم تحذيراً استراتيجياً قوياً، لكنه يصوغه أحياناً بلغة قطعية ومبالغ فيها. والأكثر دقة في هذه المرحلة هو اعتبار الحرب مرشحة لأن تصبح واحدة من أكبر الأخطاء الاستراتيجية الأميركية، إذا استمرت من دون هدف قابل للتحقيق أو مخرج سياسي واضح.

حدود الرؤية الواقعية

لعله من المفيد ان نذكر ان ميرشايمر ينتمي إلى المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، ولذلك يركز على القوة والمصالح والردع وموازين النفوذ. وهذه الرؤية تساعد على فهم سبب عجز القوة العسكرية المتفوقة عن فرض نتيجة سياسية مضمونة، كما تكشف مخاطر بدء حرب من دون خطة واضحة لإنهائها.

لكن هذا المنهج لا يحيط بكل جوانب الأزمة. فالحوار لا يمنح الاهتمام الكافي للخسائر الإنسانية، والقانون الدولي، وأوضاع المدنيين، وحقوق الشعوب في الأمن والحياة، أو للطبيعة الداخلية للنظام الإيراني. كما أن قوله إن معظم دول العالم تتمنى هزيمة الولايات المتحدة تعميم يصعب إثباته؛ فمواقف الدول أكثر تعقيداً. بعضها يعارض الحرب لكنه يخشى إيران، وبعضها يعتمد أمنياً على واشنطن، وبعضها يحاول تجنب الانحياز إلى أي طرف.

كذلك فإن القول إن إيران لم تبدأ أي حرب في تاريخها الحديث يحتاج إلى تعريف دقيق لمفهوم «بدء الحرب». فهناك فرق بين الهجوم العسكري المباشر، ودعم الجماعات المسلحة، والعمليات غير المباشرة، وحروب الوكالة. ولذلك لا ينبغي استخدام هذه العبارة باعتبارها حقيقة نهائية من دون مناقشة طبيعة الدور الإيراني الإقليمي.

وعليه، فان حوار كريس هيدجز مع جون ميرشايمر يقدم نقداً قوياً للسياسة الأميركية تجاه إيران. وأهم ما فيه أنه يعيد النقاش من عدد الضربات والأهداف المدمرة إلى السؤال الأساسي: ماذا حققت الحرب سياسياً؟

وفق هذا المعيار، تبدو الولايات المتحدة في وضع صعب. فهي لم تُنهِ البرنامج النووي الإيراني، ولم تقضِ على الصواريخ، ولم تفصل إيران عن حلفائها، ولم تغير النظام. وفي الوقت نفسه، تعرضت قواعدها وتحالفاتها لضغوط كبيرة، وأصبحت إيران أكثر قدرة على استخدام أدوات الردع والضغط غير المباشر.

ومع ذلك، لا ينبغي الانتقال من نقد الرواية الرسمية الأميركية إلى قبول كل استنتاجات ميرشايمر من دون تمحيص. فتحليله يضيء جوانب مهمة من اختلال الحسابات الاستراتيجية، لكنه يعكس أيضاً منظوره الواقعي الخاص، ويستخدم أحياناً أحكاماً قطعية قبل اكتمال الأحداث.

والدرس الأوسع الذي يخرج به المشاهد هو أن الحروب أسهل في البدء منها في الإنهاء، وأن تدمير الأهداف لا يساوي تحقيق الأهداف، وأن الدولة التي تدخل حرباً من دون تصور واضح للنصر والتسوية قد تجد نفسها، مهما بلغت قوتها، تحت ضغط خصم أضعف منها عسكرياً لكنه أقدر على تحمل الزمن ورفع كلفة المواجهة.

استعنت بالذكاء الاصطناعي في اعداد هذا المقال.

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى