رأي

دكتور حسن موسى يوسف يكتب : الصمود أمام العدوان: حين يعجز السلاح والأزمات الاقتصادية عن كسر إرادة الشعب السوداني

على مر تاريخ السودان، أثبتت تجربته الإنسانية أن القوة العسكرية الغاشمة وسياسات الاستعمار والحصار والتجويع الاقتصادي، رغم ما تسببه من مآسٍ وإراقة للدماء، تُخفق دائماً في تحقيق هدفها النهائي: إخضاع الشعب وكسر إرادته. فقتال الشعب من أجل الأرض والكرامة والوجود خلق طاقة صمود تجاوزت الحسابات المادية للحروب منذ كرري في 1898 وإلى الخرطوم في 2023.

اعتمد العدوان على السودان على استراتيجية مزدوجة تتمثل في البطش العسكري لاستغلال موارد الأرض وثرواتها واستعباد الإنسان، والتضييق الاقتصادي لخلق أزمات معيشية يراهن من خلالها على دفع الشعب نحو اليأس والمطالبة بالاستسلام. غير أن الواقع يظهر نتائج عكسية؛ إذ تتحول ضغوط المعيشة وآلام فقدان الممتلكات والأرواح إلى دافع إضافي للتمسك بالحق، وتتعمق حالة التكافل الاجتماعي والتضامن بين أفراد المجتمع لتقليل أثر العقوبات والحصار.

وتتجلى أبهى صور هذا الصمود الشعبوي في الجماليات الاجتماعية الأصيلة التي تميز بها المجتمع السوداني؛ فمن روح “النفير” المتجذرة في الوجدان الجمعي، إلى مبادرات “التكايا” مطابخ الخير الشعبية التي انتشرت في الأزقة والبراري لإطعام الملهوف وسد رمق المحتاج، رسم السودانيون لوحة تكافلية معجزة. هذه القيم أثبتت أن التكافل والتلاحم ليس مجرد شعارات، بل هو خط الدفاع الأول وشاهد عملي على قدرة الشعب على ابتكار أدوات الصمود الاقتصادي والاجتماعي وتجاوز أعتى ظروف الحصار والتضييق.

إن إرادة المستضعفين لا تُبنى على التفوق في عتاد السلاح، بل تجد جذورها في قناعة راسخة بوجود قضية عادلة. هذا البعد المعنوي هو ما يجعل استهداف المدنيين والتضييق على سبل عيشهم وسيلة غير قادرة على حسم المعارك؛ فالسلاح قد يدمّر العمران، والاقتصاد المجهد قد يثقل كاهل الحياة اليومية، لكنهما يعجزان عن سلب الإرادة والعزيمة، ليصل المسار في النهاية إلى تأكيد حقيقة تاريخية واحدة: الحرية لا تُوهب، وكرامة الإنسان المؤمن لا تسلب، وصمود الشعوب يُفشل كيد الخونة والجبناء ويجعل قسوتهم هباءً منثوراً.

دكتور حسن موسى يوسف اديس ابابا اثيوبيا
18 سبتمبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى