رأي

موسى داؤد يكتب : السودان ومصر.. حين يتحدث النيل بلغة المصير

في زمنٍ اضطربت فيه الموازين، وتبدلت فيه الوجوه بتبدل المصالح، وتكاثرت على السودان المحن كما تتكاثر الغيوم في سماءٍ مثقلةٍ بالمطر، تظل بعض المواقف أسمى من أن تُقاس بعبارات السياسة وحدها؛ لأنها تطرق أبواب القلوب قبل أن تصل إلى موائد الدبلوماسية، وتقول للشعوب في ساعة العسرة: لستم وحدكم في الطريق.
ومن هذا المعنى يقرأ السودان الموقف المصري الأخير، حين أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ثوابت لا يمكن المساس بها، مجدداً دعم مصر لاستقرار السودان ومؤسساته الوطنية، ومؤكداً أهمية وقف الحرب وتخفيف معاناة الشعب السوداني ودعم مسار التسوية السياسية.
وما أجمل الكلمة حين تأتي في موضعها، وما أعظم الموقف حين يُقال في زمنٍ تكثر فيه الأصوات ويقل فيه اليقين. فهذه الكلمات، وإن بدت في ظاهرها لغةً دبلوماسية، تحمل في أعماقها معنى أكبر؛ لأنها تضع وحدة السودان وسيادته في مقام الأصل الذي لا ينبغي أن يكون موضع مساومة أو نزاع.
ومن هنا يأتي تقدير السودان، حكومةً وشعباً، لمصر الشقيقة، ولما تبذله من جهود سياسية وإنسانية وإقليمية ودولية تجاه السودان. فمصر ليست جارةً تحدها حدود، ثم تنتهي عندها الحكاية؛ وإنما هي شقيقةٌ امتدت معها وشائج التاريخ والمجتمع والثقافة، حتى غدت المسافة بين الشعبين أقصر من أن تقيسها الخرائط.
لقد عرف السودانيون مصر في ساعات المحنة، كما عرف المصريون السودان في أيام الرخاء والشدة، فكانت بين الشعبين مودةٌ لا تحتاج إلى كثير شرح، وذاكرةٌ لا تحفظها الوثائق وحدها، وإنما تحفظها القلوب.
ثم إن بين السودان ومصر قصةً لا تكتبها السياسة وحدها؛ قصة يكتبها النيل.
ذلك النهر الذي شق طريقه من أعماق القارة، ومضى هادئاً في رحلته الطويلة، كأنه رسولٌ قديم يحمل بين ضفتيه سلاماً لا يعرف الحدود، ويقول للبلدين إن ما جمعته الطبيعة والتاريخ لا ينبغي أن تفرقه عوارض السياسة.
فالنيل ليس ماءً يجري بين بلدين؛ إنه ذاكرةٌ مشتركة، وامتدادٌ للحياة، ورمزٌ لمصيرٍ متداخل، وجسرٌ يمكن أن يحمل البلدين من ضفة التضامن في زمن الأزمات إلى رحاب الشراكة في زمن البناء.
وهنا تبرز مسؤولية المرحلة المقبلة: أن تتحول الأخوة السودانية المصرية إلى شراكةٍ أعمق، قوامها الاحترام المتبادل، وتصون سيادة البلدين، وتفتح آفاق التعاون في الاقتصاد والزراعة والطاقة والتعليم والثقافة والإعلام، وأن يصبح النيل جسراً للتنمية والتكامل، لا عنواناً للخلاف.
إن السودان الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى السلام وحده، بل يحتاج إلى من يساعده على استعادة عافيته، وإعمار ما هدمته الحرب، وبناء مؤسساته، واسترداد مكانه الطبيعي بين الأمم. ومصر، بحكم الجغرافيا والتاريخ، معنية بأن ترى السودان آمناً مستقراً موحداً؛ فسلام السودان من سلام مصر، وأمن أحدهما لا يمكن أن يكون بعيداً عن أمن الآخر.
ولهذا فإن الموقف المصري تجاه وحدة السودان وسيادته يستحق أن يُقابل بالتقدير، وأن يتحول من موقفٍ في لحظةٍ عابرة إلى أساسٍ لعلاقة أكثر رسوخاً ونضجاً، تنظر إلى المستقبل بعين الأخوة، وإلى المصالح بعقل الدولة، وإلى التاريخ بقلب الوفاء.
فقد تتبدل الحكومات، وتتغير الظروف، وتمضي السنون بما تحمل من أفراح وأحزان، لكن الشعوب لا تنسى من وجدته إلى جوارها حين أظلم الطريق.
والسودان لا يرى في مصر ضفةً أخرى للنيل؛ بل يرى فيها شقيقةً على الضفة ذاتها من التاريخ والمصير. وإذا كان النيل قد جمع البلدين بالماء، فإن الأخوة قادرة على أن تجمعهما بالسلام، والتنمية، والمحبة، ومستقبلٍ يليق بشعبين جمعتهما الأيام قبل أن تجمعهما الجغرافيا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى