رأي

موسى داؤود يكتب :حين يعود السم إلى صانعه

ما أشبه السياسة حين تنسى أن للجغرافيا ذاكرة، وأن للنار طريقاً لا يعرفه من أشعلها. وما أشبه بعض الدول حين تنظر إلى جوارها بعين المصلحة العاجلة، فتنسى أن حسن الجوار ليس ضعفاً، وأن فضيلة الأخوّة بين الشعوب قد تكون أثمن من حسابات النفوذ والسلاح.
لم يكن السودان وإثيوبيا مجرد دولتين متجاورتين على خريطة؛ فقد صنعت بينهما الجغرافيا والتاريخ والتجارة والهجرة والمصالح المشتركة علاقة أعمق من حدود مرسومة. وفتح السودان أبوابه طويلاً أمام الإثيوبيين، فدخلوا أرضه طلباً للعمل والعيش والأمان، ووجد كثير منهم في السودان ملاذاً ومجالاً للحياة. وكانت تلك صورة من صور الشهامة السودانية التي لا تسأل الضيف عن عرقه حين تفتح له الباب. وتشير دراسات تاريخية إلى أن العلاقات بين البلدين عرفت، رغم فترات الصراع، مراحل واسعة من التعاون الاقتصادي والسياسي والتبادل الشعبي.
لكن الحرب السودانية كشفت وجهاً آخر للعلاقات الإقليمية. فقد نشرت تقارير دولية معلومات عن وجود معسكر في إثيوبيا لتدريب مقاتلين مرتبطين بقوات الدعم السريع، بينما وجّه مسؤولون سودانيون اتهامات باستخدام أراضٍ إثيوبية في دعم عمليات مرتبطة بالحرب؛ وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا ولم يمكن التحقق من بعضها بصورة مستقلة.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: أن يُظن أن نار السودان يمكن أن تبقى داخل حدوده، وأن صناعة الفوضى في بلد جار يمكن أن تكون وسيلة لصناعة النفوذ. فالحرب لا تعرف الحدود السياسية حين تتسع، والسلاح الذي يعبر الحدود مرة قد يجد طريقه إليها مرة أخرى.
واليوم تقف إثيوبيا أمام واقع داخلي بالغ التعقيد؛ فقد أعلنت سبع قوى مسلحة، بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وفانو وجيش تحرير أورومو، تحالفاً لإزاحة حكومة آبي أحمد والدفع نحو إدارة انتقالية، في وقت تتجدد فيه التوترات في تيغراي وتستمر المواجهات في مناطق أخرى.
وهنا لا يجوز اختزال المشهد في فكرة «الانتقام»، فالتاريخ لا ينتقم، وإنما يعلّم. والدرس أن الدولة حين تتعامل مع أزمات جيرانها بمنطق الوكلاء والسلاح، قد تجد نفسها أمام المنطق ذاته داخل حدودها.
لقد كان السودان، في أحلك الظروف، جاراً فتح أبوابه للإثيوبيين، بينما تبدو الخرطوم اليوم وهي تنظر إلى بعض المواقف الإثيوبية بعين الألم والخذلان. والخلاف السياسي مهما اشتد لا ينبغي أن يسقط فضيلة الجوار.
إن إثيوبيا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من حرائق الجوار، كما أن السودان لا يحتاج إلى وصاية أو وكلاء. وما بين البلدين أكبر من الحكومات وأبقى من الصراعات.
فمن ظن أن الحرب التي تُشعل في تراب الجار ستبقى هناك، نسي حكمة قديمة تقول: «السم الما بقتل صاحبه ما سم أصلي».
فالريح لا تسأل من أشعل النار؛ إنها تحمل الرماد إلى الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى