بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : السعودية واليمن: هل تنجح التسوية السياسية حيث أخفقت الحرب؟

لم تبدأ العلاقة المضطربة بين السعودية واليمن بظهور الحوثيين أو بالتنافس السعودي–الإيراني. فجذورها تمتد إلى تشكّل الدولتين، والخلاف على الحدود، والتنافس على النفوذ، ثم تداخلت معها الانقسامات اليمنية والتدخلات الإقليمية. ومع ذلك، لم تكن العلاقة عداءً متصلًا؛ فقد شهدت تعاونًا وتسويات، وتحالفت السعودية مع أطراف يمنية وواجهت أخرى. فكيف تطورت إلى مواجهة عسكرية، وهل يمكن الوصول إلى تسوية مستدامة؟
وقد برز الخلاف الحدودي بين الدولتين مع توسّع الدولة السعودية وتعارض مطالبها مع المملكة المتوكلية اليمنية. وانتهت حرب عام ١٩٣٤ بمعاهدة الطائف، التي ثبّتت السيطرة السعودية على عسير وجازان ونجران، وظل ملف الحدود مصدر توتر حتى تسويته بمعاهدة جدة عام ٢٠٠٠. لكن ترسيم الحدود لم يُنهِ التباين حول الأمن والسيادة والنفوذ.
وأضافت ثورة سبتمبر ١٩٦٢ في شمال اليمن بُعدًا سياسيًا؛ فدعمت السعودية الملكيين، بينما ساندت مصر بقيادة جمال عبد الناصر الجمهوريين. وأصبح اليمن ساحة تنافس بين الملكية السعودية والمشروع الجمهوري القومي، بما يؤكد أن التدخلات الإقليمية سبقت العامل الإيراني بعقود.
ونظرت الرياض إلى اليمن باعتباره جزءًا مباشرًا من بيئتها الأمنية، وبنت علاقات مع حكوماته وقواه السياسية والقبلية. غير أن ما تعتبره حمايةً لحدودها ومصالحها يراه يمنيون تدخلًا في سيادتهم، فتداخل أمن الجوار مع التأثير في القرار اليمني.
وفي الداخل اليمني، تراكمت أسباب الاضطراب من ضعف في الدولة، وتنافس على السلطة والموارد، علاوة علي التوتر بين الشمال والجنوب، والتهميش المحلي. وفي هذه البيئة نشأت الحركة الحوثية في الشمال الزيدي وتطورت إلى قوة مسلحة. ثم تعثّر الانتقال السياسي بعد انتفاضة عام ٢٠١١، وسيطر الحوثيون على صنعاء عام ٢٠١٤، لتدخل البلاد مرحلة أوسع من الصراع.
وفي عام ٢٠١٥، قادت السعودية تدخلًا عسكريًا دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، مدفوعة بمخاوف من انهيار الدولة وتصاعد قوة الحوثيين وتحول اليمن إلى قاعدة لنفوذ معادٍ. وهي مخاوف تستحق المعالجة، لكنها تثير السؤال عن قدرة الحرب على احتوائها، وعن اللحظة التي يصبح فيها استمرار القتال مصدرًا لتهديدات إضافية.
فالمواجهة الحوثية–السعودية سبقت حرب عام ٢٠١٥، لكن التدخل العسكري والضربات الجوية أسهما في توسيعها وتصعيدها، وانتقلت آثارها إلى الأراضي السعودية باستهداف مدن ومنشآت. ولا يبرر ذلك الاعتداء على المدنيين، لكنه يكشف دائرة من الفعل والرد، تتطلب معالجتها النظر في أسباب التصعيد ونتائجه معًا.
وزادت علاقة الحوثيين بإيران تعقيد المشهد. فالرياض تخشى قوة مسلحة مدعومة من طهران على حدودها الجنوبية، تستطيع تهديدها والضغط عليها، على نحو يشبه دور حزب الله في لبنان. لكن الحوثيين طرف يمني له جذوره وحساباته المحلية؛ فلا يصح اختزال الحرب في مواجهة سعودية–إيرانية، ولا تجاهل أثر الدعم الإيراني في تعزيز قدراتهم.
وبعد سنوات من الحرب، تبرز حدود الإنجاز العسكري؛ فإضعاف طرف أو انتزاع أراضٍ منه لا يحسم قضايا الحكم وتقاسم الثروة والعلاقة بين الشمال والجنوب. وبقاء هذه المسائل معلقة يسمح بتجدد المواجهات، كما قد تدفع الحرب الحوثيين إلى مزيد من الاعتماد على إيران بدلًا من تقليص ارتباطهم بها.
وتتجاوز كلفة الحرب ساحات القتال، لتشمل معاناة اليمنيين وانهيار الخدمات وفرص العمل، وتهديد المدن والمنشآت السعودية، والمخاطر على الملاحة والتجارة. ويتحمل المواطنون هذه الأثمان، بينما تظل مشاركتهم في مناقشة خيارات الحرب والسلم محدودة. لذلك يصبح تقييم الأمن الذي تحقق، مقارنة بما دُفع من خسائر، ضرورة سياسية واقتصادية.
من هنا يبدأ البحث عن التسوية، بالتمييز بين حق السعودية في حماية أراضيها ومحاولة ضمان سلطة يمنية متوافقة دائمًا مع توجهاتها. فالأولى يمكن أن تستند إلى ضمانات أمنية متبادلة، بينما قد تُبقي الثانية التدخل مفتوحًا على صراعات متجددة.
ويجمع كثير من المحللين بان لا يكفي مجرد اتفاق سعودي–حوثي لحل هذه الأزمة المتعددة الأطراف. فالسلام يحتاج إلى مشاركة يمنية واسعة، ومسار يعالج الحكم والموارد والعلاقة بين الشمال والجنوب، ووقف لإطلاق النار يخضع للمراقبة، وترتيبات لحماية الحدود ومعالجة الخروقات وضبط تدفقات السلاح وتقوية مؤسسات الدولة. ويمكن للسعودية دعم ذلك بالوساطة والضمانات والحوافز الاقتصادية، مع احترام استقلال القرار اليمني.
لكن ربما تسهم هذه الترتيبات في معالجة المخاوف من النفوذ الإيراني؛ فوجود مؤسسات قادرة وضمانات موثوقة يقلل دوافع الاعتماد على الرعاة الخارجيين. لكن نجاحها يتطلب التزامات قابلة للتحقق ووسائل للتنفيذ، تتجاوز إعلان النيات.
وتأتي إعادة الإعمار جزءًا أساسيًا من بناء السلام. فإصلاح المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، ودعم فرص العمل، يعالج ظروفًا تغذي العنف والتجنيد المسلح. ويمكن للمساعدات السعودية أن تبني تعاونًا طويل الأمد، إذا أُديرت بشفافية وعدالة ورقابة.
كما يتيح خفض كلفة المواجهة توجيه موارد سعودية أكبر إلى الإسكان والصحة والتعليم وتنمية المناطق الأقل حظًا. فتطوير المملكة ورفاهية مواطنيها ورعاية المقدسات الإسلامية تستفيد من الاستقرار الإقليمي، إلى جانب قوة دفاعية تحمي البلاد ودبلوماسية تقلل الحاجة إلى استخدامها.
اذا لا يجب ان نتوقع ان يحل إنهاء التدخل العسكري وحده مشكلات اليمن، ولن تنجح التسوية دون تنازلات وضمانات وآليات تنفيذ. لكن استمرار الحرب لا يعالج جذور الصراع أيضًا. ويظل الاختبار الحقيقي لأي مسار هو قدرته على حماية الحدود، وتسوية الخلافات اليمنية، وإعادة بناء الحياة، ومنع تجدد المواجهة. بهذه النتائج يمكن الحكم على ما إذا كان السلام سيحقق ما عجزت عنه الحرب.
بروفيسور بكري موسي عبدالكريم
9 اكتوبر 2026








