بشارة جمعة أرور.. يكتب : مسؤولية القيادة ومآلات القرارات السياسية

بشارة جمعة أرور.. يكتب : مسؤولية القيادة ومآلات القرارات السياسية
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
قلناها قبل خمس سنوات، في 9 أكتوبر 2021م، للذكرى والتاريخ والتذكير؛ لا ادعاءً لمعرفة الغيب، وإنما قراءة للواقع، وتحليلاً للوقائع، ومقارنة بين المواقف ومآلاتها.
واليوم نعيد التذكير بما كتبناه، لا لندعي صواب كل ما ذهبنا إليه وإنما لنضع الوقائع أمام التاريخ، ونسأل: هل أصابت قراءتنا أم أخطأت؟ وماذا تعلمنا من السنوات التي مضت؟
إِنَّ كل من يدعي النضال ويخوض معتركه يطمح إلى تصدر المشهد السياسي والانفراد بقيادته، غير أن الطموح إلى بلوغ المرام واعتلاء سدة الصدارة يقتضي بالضرورة امتلاك المعرفة اللازمة لإدارة الشأن السياسي والكفاءة المطلوبة لتدبير شؤون الحكم وتوافر المقوّمات القيادية التي تُمكن من حسن تقدير المواقف واستشراف المآلات، وتحويل الرؤى والمشروعات إلى واقع قابل للتحقق فليس كل من رسم خطة أحاط بغاياتها وأدرك أبعادها كاملة ولا كل من وضع مشروعاً أحسن تقدير مآلاته أو امتلك البصيرة النافذة والكفاءة اللازمة والقدرة على إنفاذ مقتضياته.
وثمة فارق جوهري بين مَن يطمح إلى القيادة ومن يمتلك مقومات الاستحقاق لها، وبين من يُحسن رسم المسارات ومن يستوعب تعقيداتها ويُحسن تقدير عواقبها، وبين من يطرح المشروعات ومن يمتلك القدرة على تحويلها من حيز التصور إلى واقع ملموس فالقيادة ليست ادعاءاً يُطلق، ولا موقعاً يُنتزع بمجرد الرغبة ولا صدارة تُنال بعلو الصوت أو اتساع الطموح،وإنما أهلية تُثبتها سلامة الرؤية ورجاحة التقدير ونفاذ البصيرة مع حسن تدبير الوسائل، والقدرة على استشراف المآلات بجانب وموازنة الطموحات بالإمكانات، وبالضرورة تحمل تبعات القرارات وتحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة.
ولعل من أبرز أزمات بعض القيادات السياسية ضعف إدراك دلالات المصطلحات، وسوء تقدير مآلات الألفاظ والعبارات وما تنطوي عليه من رسائل ومضامين قد تتجاوز حدود القصد المعلن إلى تداعيات يصعب احتواء آثارها فالكلمة في المجال السياسي ليست مجرد صياغة لفظية، بل قد تحمل دلالات سياسية تتجاوز ظاهرها أو تُفهم بوصفها موقفاً أو تُنشئ التزاماً تترتب عليه تبعات أو تفتح الباب أمام تصعيد لم تُقدر عواقبه.
لذا تتعاظم مسؤولية السياسي في انتقاء ألفاظه وصياغة مواقفه إذ لا يقتصر واجبه على توضيح ما يقصده، بل يمتد إلى تقدير ما قد تفهمه الأطراف الأخرى من خطابه واستشراف ما قد يترتب عليه من ردود أفعال وتداعيات…، فالنضج السياسي لا يتجلى في القدرة على التعبير عن المواقف فحسب، بل في إدراك حساسية السياقات والتمييز بين المعنى المراد والدلالة المحتملة والموازنة بين حرية التعبير ومتطلبات المسؤولية، بما يحول دون أن تصبح الكلمات مصدراً لسوء الفهم أو ذريعة للتصعيد، أو مدخلاً إلى التزامات لم تُدرس عواقبها.
وعليه، فإن نضج القيادة لا يُقاس بما تطرحه من شعارات أو تُظهره من طموحات فحسب، بل بعمق فهمها للمفاهيم ودقة اختيارها للألفاظ والعبارات وبُعد نظرها في تقدير دلالاتها واستشراف نتائجها…، فالسياسة ليست مجرد قدرة على إعلان المواقف، بل مسؤولية عن صياغتها ووعي بتبعاتها وحكمة في تقدير المسارات التي تفتحها الكلمات والمآلات التي قد تقود إليها.
إن حالة الانقسام الحاد التي يشهدها المجتمع السوداني والساحة السياسية، في ظل استدعاء ممارسات التسلط والهيمنة والتمكين لصالح قوى سياسية بعينها على حساب غيرها، لا تبشر باستقرار سياسي مستدام ولا تساعد على تغليب مصلحة الوطن والمواطن، بل تفتح أبواباً جديدة للصراع، وتعميق الشروخ الوطنية وتبديد فرص التوافق، وإعاقة جهود بناء الدولة.
وحين تقترن هذه الممارسات بضعف تقدير المواقف وعواقبها، تتحول الخلافات السياسية من تباين مشروع في الرؤى والمصالح إلى أزمات تتجاوز أطرافها، وتهدد استقرار الوطن ووحدة مجتمعه.
يا أهل السودان، ويا أصحاب القيادة والمسؤولية والقرار، ويا من تقع على عواتقكم أمانة وحدة الوطن ومصائر أبنائه، أقبلوا على الحوار الوطني والمصالحة الشاملة بإرادة صادقة وعزم لا يلين، قبل أن تستفحل الخصومات وتتجذر المرارات وتتراكم المظالم فتعلو أصوات الغضب على نداء العقل وتطغى مشاعر الظلم أو نشوة النصر وفرحة الانتصارات على صوت الحكمة ومقتضيات المصلحة الوطنية.
لا تتركوا للخصومة أن تتحول إلى قطيعة ولا للمرارات أن تصبح وقوداً لصراعات متجددة ولا لوهم الغلبة أن يحجب عنكم حقيقة أن الوطن لا ينتصر بانكسار بعض أبنائه إلى حد الهوان والذل، ولا يستقر بإقصاء بعضهم وإنما يستقر وينهض حين تتسع الإرادة الوطنية للاعتراف بالمظالم، وتغليب المصلحة العامة وصناعة توافق وطني يحفظ للسودان وحدته ولأبنائه كرامتهم، وللأجيال القادمة حقها في وطن آمن يتسع للجميع، بدلاً من أن تُورثها الأجيال الحاضرة مزيداً من الانقسام والخراب.
لا تجعلوا الخلاف السياسي مدخلاً للإقصاء ولا تستبدلوا هيمنة بأخرى، ولا تتوهموا أن امتلاك القوة أو تحقيق مكسب مرحلي يمنح أي طرف حق الانفراد بمستقبل البلاد أو تقرير مصير الآخرين…، فالسودان أكبر من أن يُختزل في إرادة طرف واحد ومستقبله أمانة وطنية لا يملك أحد مصادرتها أو الانفراد بتقريرها.
إن الحوار الوطني الشامل ليس مِنّة من طرف على آخر، ولا مكافأة لفئة دون سواها ولا تنازلاً عن الحقوق والثوابت، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة، وضرورة سياسية تفرضها تعقيدات الواقع ومخاطر المستقبل. والمصالحة الوطنية الشاملة ليست استسلاماً للخصوم وإنما شجاعة في مواجهة الأزمات وقدرة على تجاوز المرارات، وإرادة مسؤولة لإعادة بناء الثقة على أساس العدالة والإنصاف، واحترام الحقوق ونبذ الإقصاء…، بما يفتح الطريق أمام توافق وطني يؤسس لسلام مستدام، ويصون وحدة البلاد وحيفظ العباد ويعيد بناء الدولة على قاعدة الشراكة الوطنية وسيادة القانون، واحترام إرادة الشعب.
لا مصالحة حقيقية بإنكار المظالم ولا سلام مستدام بفرض الإرادة ولا توافق وطني باستبعاد الآخرين…، فالحوار الجاد يقتضي الاعتراف المتبادل ومعالجة أسباب الخلاف، والاتفاق على قواعد عادلة لإدارة التنوع والاختلاف، وتقديم مصلحة السودان على المصالح الحزبية والحسابات الضيقة.
كما أن المصالحة لا تعني الإفلات من المساءلة والمحاسبة أو تجاوز استحقاقات العدالة، والحوار لا يعني التفريط في الحقوق أو التنازل عنها، بل إن كليهما يستدعي البحث عن حلول ناجعة وعادلة تعالج جذور الأزمة وأسبابها العميقة، وتنصف المتضررين وتحول دون تجدد الصراع، وتفتح الطريق أمام الاستقرار والسلام الدائم.
إن صدام الأوهام يظل خطراً قائماً ما دامت الحسابات السياسية أسيرة المكابرة وسوء التقدير وما دام بعض الفاعلين يراهنون على إقصاء الآخرين أو انكسارهم، فيما تظل التحديات والمخاطر المحيطة بالبلاد شاخصة وماثلة. وليس من الحكمة أن ينتظر كل طرف هزيمة الآخر، ولا من المسؤولية أن يراهن أحد على أن الزمن سيمنحه وحده مفاتيح الحل…، فالأوطان لا تُبنى بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما بإرادة وطنية تدرك أن الخلاف مهما اتسع، لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لهدم الدولة وتمزيق المجتمع.
وعليه، فإن المنطق السديد يقتضي ألا نهدر فرص الحوار والمصالحة الوطنية الشاملة، وألا ننتظر حتى تفرض علينا الأزمات ما كان في وسعنا إنجازه بالإرادة والحكمة…،فلنبدأ الحوار بإرادتنا، قبل أن نُدفع إليه صاغرين ومطأطئي الرؤوس، بعد أن تضيق الخيارات وتتراجع قدرتنا على المناورة في مواجهة الأجندات والتدخلات الخارجية…، فنفقد زمام المبادرة، فلا يرتد إلينا طرف وربما لا نجد حينها متسعاً لتدارك ما أضعناه أو استعادة ما فرطنا فيه.
إن فرص التسوية العادلة حين تكون متاحة أولى بالاغتنام من لحظات الاضطرار حين تتقلص الخيارات وترتفع الكلفة. والتاريخ لا يرحم من يبدد فرص السلام وهو قادر عليه ولا يضمن للمتأخرين أن تأتي التسويات وفق ما يشتهون أو أن تبقى لهم القدرة على تحقيق ما رفضوه حين كان ممكناً.
لقد قلناها قبل خمس سنوات، ونعيد قولها اليوم لأن الأوطان أكبر من الأحزاب وأبقى من القيادات وأعزّ من أن تُرتهن لصراعات أبنائها…، فالمواقف السياسية تُقاس ببصيرتها في استشراف العواقب وشجاعتها في مراجعة الأخطاء وقدرتها على تقديم المصلحة الوطنية على المكاسب والمناصب.
فالأوطان لا تصونها المكابرة ولا تنقذها حسابات المصالح الضيقة، بل تصونها شجاعة المراجعة وحكمة القرار والانحياز إلى الوطن قبل فوات الأوان.
فليكن الحوار خيارنا قبل أن يصبح اضطرارنا والمصالحة قرارنا قبل أن تفرضها علينا الوقائع، وإنقاذ السودان مسؤوليتنا الوطنية وغايتنا التي تسمو على كل الحسابات والمصالح والمكسب فالسودان أكبر من خلافاتنا، ومصيره أمانة في أعناق أبنائه جميعاً، وحين يكون الوطن على المحك، لا مجال للمناورة على حساب مصيره ولا مبرر لتفويت فرص السلام المتاحة فإما أن نغتنمها بإرادتنا ونصنع بأيدينا مستقبل وطننا، وإما أن نواجه عواقب ضياعها حين تضيق الخيارات وترتفع الكلفة، وقد لا يبقى القرار حينها بأيدينا.
السياسة ليست فن الوصول إلى السلطة والتشبّث بمقاليد الحكم، بل فن القيادة وحُسن التدبير وبصيرة استشراف المآلات، وشجاعةُ تحمل المسؤوليات وتُقاس بثمارها في حياة الشعب، وصون كرامته وحقوقه وبقدرتها على حماية الوطن وإنقاذه من الأزمات والمخاطر المحدقة به، وصون مستقبله قبل فوات الأوان.







