رأي

ريما عبد اللطيف الطاهر تور كبير تكتب : المهنية وتأثيرها على حياتنا الشخصية

حين تتحول عقلية العمل إلى عبء على العلاقات الإنسانية

المهنية ليست مجرد إتقان للعمل، بل هي أسلوب تفكير مكتسب بالتدريب والممارسة، وقد يمتد أثره إلى مختلف جوانب الحياة، فيؤثر على طريقة تحليلنا للأمور، وتفسيرنا للمواقف، وتعاملنا مع الآخرين.

نقضي أكثر من ثلث يومنا في العمل، ونعود إلى حياتنا الشخصية محمّلين بتجاربنا ومواقفنا المهنية. لكن السؤال الذي يستحق التأمل: هل نستطيع مغادرة أدوارنا المهنية عند انتهاء ساعات العمل، أم أننا نحملها معنا إلى علاقاتنا، فنبدأ في التعامل مع أقرب الناس إلينا بعقلية المهنة لا بعفوية الإنسان؟

خلال حوار دار بيني وبين أحد الأصدقاء، لفت انتباهي كيف يمكن لطبيعة العمل أن تنعكس على الحياة الشخصية؛ إذ أصبح كثير الشك، وامتد أثر ذلك إلى علاقته الزوجية، حتى انتهى الأمر بالانفصال، بعد أن تراجعت ثقته بالآخرين.

هذه التجربة دفعتني إلى التساؤل: متى تتحول الخبرة المهنية من وسيلة للنجاح إلى عبء يثقل علاقاتنا الإنسانية؟ وهل يمكن للإنسان أن يعتاد الحذر في عمله إلى درجة يفقد معها القدرة على الشعور بالأمان في حياته الخاصة؟

المشكلة ليست في أن نتعلم من تجارب العمل، بل في أن نعمّم أحكام تلك التجارب على كل من حولنا.

فالحذر الذي قد يكون ضروريًا في بيئة مهنية معينة، قد يتحول إلى شك مؤذٍ حين نمارسه داخل علاقات تقوم على المودة والتفاهم. والتحليل الذي يساعدنا على اتخاذ القرارات في العمل قد يجعلنا، إذا أفرطنا فيه، نبحث عن معانٍ خفية وراء كل كلمة، ونشكك في كل تصرف، ونحوّل المواقف البسيطة إلى احتمالات لا تنتهي.

وهنا نفقد عفوية الحياة، ونبدأ في التعامل مع من نحب وكأننا نبحث عن خطأ نثبت به صحة مخاوفنا، بدلًا من أن نمنحهم فرصة لنفهمهم ونثق بهم.

كيف نحمي حياتنا الشخصية من التأثير السلبي للمهنية؟

أولًا: الوعي بالحدود. أن ندرك أن ما تفرضه علينا المهنة من حذر وتدقيق ليس بالضرورة أسلوبًا مناسبًا للتعامل مع جميع الأشخاص وفي كل المواقف.

ثانيًا: الفصل بين الوقائع والافتراضات. ليس كل تصرف غامض دليلًا على الخداع، وليس كل اختلاف في السلوك سببًا للشك. علينا أن نفرّق بين ما نعرفه فعلًا وما نفترضه نتيجة تجاربنا السابقة.

ثالثًا: التواصل بدلًا من الاتهام. حين تنتابنا الشكوك، فإن الحوار الصريح أكثر فائدة من الصمت والمراقبة وبناء الأحكام دون أدلة. فالعلاقات لا تستقيم حين يتحول أحد أطرافها إلى متهم دائم، والآخر إلى متهم ينتظر إثبات براءته.

رابعًا: مراجعة الذات. علينا أن نسأل أنفسنا باستمرار: هل هذا الشعور نابع من موقف حقيقي، أم أنه انعكاس لضغوط العمل وتجاربنا المهنية؟ وهل أصبحنا نتعامل مع الآخرين وفق شخصياتهم الحقيقية، أم وفق الصور التي رسمتها لنا تجاربنا؟

خامسًا: طلب المساعدة عند الحاجة. إذا أصبح الشك مستمرًا، وأخذ يؤثر على العلاقات والقدرة على ممارسة الحياة بصورة طبيعية، فإن الاستعانة بمختص نفسي قد تساعد على فهم أسبابه وتعلم طرق صحية للتعامل معه.

أخيرًا…

لا يمكننا فصل شخصياتنا المهنية عن شخصياتنا الشخصية فصلًا كاملًا، فنحن نحمل تجاربنا معنا أينما ذهبنا، لكننا نستطيع أن نتعلم متى نستخدم ما اكتسبناه، ومتى نترك مساحة للإنسان في داخلنا ليعيش بعيدًا عن حسابات المهنة.

فالحياة الشخصية ليست امتدادًا لمكتب العمل، وشريك الحياة ليس ملفًا يحتاج إلى التدقيق، والثقة ليست ضعفًا، كما أن الحذر ليس فضيلة في كل زمان ومكان.

قد تنجح مهنيًا لأنك تعلّمت ألّا تثق بسهولة، لكنك قد تخسر أجمل ما في حياتك إذا جعلت هذه القاعدة تحكم كل علاقاتك.

فهل المهنية تصنع شخصياتنا، أم أننا أحيانًا نسمح لها بأن تسلبنا القدرة على أن نكون أنفسنا؟

شاركوني آراءكم وتجاربكم.

#قلمي #المرأة_ذات_الحبر_الأسود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى