عبر صحيفة وإذاعة المهجر الدولية بواشنطن كلام أولاد الخرطوم الأستاذ مهدي حسن أحمد أفندي نيوجيرسي يكتب الخرطوم أيام الزمن الجميل.. الخرطوم 3 في الثمانينيات

كانت الخرطوم (3) في ثمانينيات الزمن الجميل، وحديقة القرشي التي تتوسطها كأنها قلب ينبض بالجمال، ولها أربعة أبواب تفتح على الذاكرة.
الباب الغربي..
كان يسكنه جارنا الحبيب الدكتور الشاعر علي الكوباني، الذي كتب لابنة الحي أغنيته الشهيرة “سمحة يا ستهم” التي تغنى بها الفنان كمال ترباس
وعلى مقربة منه كان يسكن الشاعر المرهف صلاح حاج سعيد شاعر “شارع بيتنا”، الذي غنت فرقة البلابل بكلماته، وتغنى بها مصطفى سيد أحمد فخلدها، وهو صاحب الرائعتين “المسافة” و”الحزن النبيل”
وهناك أيضاً كان فناننا وصديقنا صاحب الحنجرة الذهبية حسن زنقار كان رجلاً جميل الصوت، عذب الأداء، لو أُتيحت له الفرصة لكان من كبار الفنانين. كان يأتينا بعوده فيجمعنا في جلسات أنس لا تُنسى، يغني لنا ونطرب. غير أن أسرته كانت ترفض احترافه للغناء، وكان أخوه السفير هاشم عثمان – وكيل وزارة الخارجية في عهد الرئيس جعفر نميري وحكومة مايو – أشد الرافضين. وحسن، لطيب معشره وبره بأهله، آثر رضا أسرته على مجده الفني، فلم يحترف الغناء، واكتفى بأن يغني للأصدقاء والمقربين، فضاعت موهبة كبيرة لم تأخذ حقها من الشهرة.
الباب الشرقي..
الذي يفتح على الخرطوم (2)، فقد سكنه في تلك الحقبة الشاعر الكبير إسماعيل حسن، الذي يحلو لأهل تنقاسي أن ينادوه تحبباً “سماعين”. وإني لأعتقد اعتقاداً جازماً أن كلمات إسماعيل حسن هي التي صنعت مجد الفنان محمد وردي، ولولاه لما كان وردي كما نعرفه، وهذا رأيي الشخصي الذي أدين به. كما عرف أهل الخرطوم الفنان محمد مرغني وذاع صيته حين شدا من كلمات إسماعيل حسن برائعته “اشتقت ليك”.
وكانت كريمته أحلام إسماعيل حسن زميلتنا في المركز الثقافي الأمريكي في مرحلة الثانوي العالي، وكان المركز آنذاك بالقرب من المعبد اليهودي وسينما كوليزيوم الشهيرة بالخرطوم.
الباب الجنوبي..
لحديقة القرشي، الممتد على شارع كترينا الفاصل بين الخرطوم (2) والخرطوم (3)، فقد كان يسكنه الملحن الموهوب صاحب الصوت الجميل فتحي المك . تربطه صلة قرابة بالفنان الكبير حسن عطية، وكان والده – رحمه الله – رجلاً بشوشاً طيباً، يجلس مساءً على كرسي أمام الباب، وهو لواء سابق في الجيش المصري السوداني في عهد الملكية بمصر.
وقد أبدع فتحي المك في عالم التلحين، فكان مرهف الحس مبدعاً، فأهدى المكتبة السودانية ألحاناً خالدة، منها “تحرمني منك” التي عُرف بها الفنان عبد العزيز المبارك، و “حلوة الصدفة” و “أرخي الرمش”.
ثم دارت الأيام. وفي عام 2016، حين عدت إلى الخرطوم من أمريكا بنية الاستقرار، التقيت بفتحي المك في الخرطوم (3)، فأخذتني الدهشة كل مأخذ. رأيت رجلاً غير الذي عرفت، يلبس جلباباً قصيراً، وقد أعفى لحيته، وعلت وجهه سكينة الإيمان. سألت: ماذا حصل؟ فقيل لي إنه ترك الغناء وكسر آلاته الموسيقية، واعتزل الفن قائلاً إن الغناء والتلحين حرام، وتفرغ للدعوة الإسلامية، وانضم إلى جماعة أنصار السنة المحمدية، وكان مسجدهم في حي السجانة، وكان لمشايخهم الكرام – الشيخ الهدية رحمه الله، والشيخ مصطفى ناجي، والشيخ صلاح طيفور – أثر كبير في تحول مساره.
فترك ألحاناً جميلة بين الناس، وهو اليوم بريء منها، محتسباً ما قدم عند الله، مؤذناً بصوته الجميل الذي لا يزال عذباً كما كان.
تلك هي الخرطوم، وتلك هي أيامها التي لا تُنسى.








