دكتور حسن موسى يوسف يكتب غرير العسل: أسطورة الجرأة التي لا تعرف الهزيمة

في عالم الحيوان، حيث تُحسب القوة بالكتلة العضلية، والحجم، والافتراس الضخم، يبرز مخلوق صغير لا يتجاوز حجمه حجم كلب متوسط، لكنه يحمل قلب أسد شجاع وعزيمة لا تلين. إنه غرير العسل (Honey Badger)، الكائن الذي أثبت عبر السلوك والمواقف أن العظمة ليست بالحجم، بل بالإرادة والصلابة النفسية. تلك الجرأة الأسطورية التي يواجه بها غرير العسل أشرس وحوش البرية، وتلك المواقف التي تفاجئ الضواري وتجبرها على الانسحاب، ليست مجرد طيش، بل هي تجسيد حي للصبر، وقوة الإرادة، والإصرار المطلق على النصر وعدم التراجع.
في قاموس غرير العسل، لا توجد خيارات سوى الانتصار أو الموت دونه. هذا الإصرار المطلق على عدم التراجع يمثل درسًا بليغًا في الإرادة البشرية. إنه يعلمنا أن السقوط ليس هزيمة، بل الهزيمة الحقيقية هي الاستسلام والقبول بالانسحاب. الإصرار على مواصلة المسير، مهما كانت العراقيل والأثمان، هو المفتاح الحقيقي لتحقيق النصر في ساحات الحياة المختلفة. كما ان العزيمة الصادقة والإرادة الصلبة قادرتان دائماً على تغيير موازين القوى، وصناعة النصر من قلب أصعب التحديات.
علمتنا حرب الكرامة، رغم مراراتها وظلمها على الدولة والانسان، ان السودان هو غرير العسل للدول التي استهانت به وتجرأت بالعدوان المباشر والسريع عليه ظناً منها انها سوف تقضى على وجوده في ساعات لتلتهم العسل والذي يتجسد في موارد وثروات يسيل لها اللعاب. افتكرته ضعيفاً يسهل القضاء عليه ولكنه فاجأها بالصبر والارادة وبإصراره على صد العدوان ووقوفه بصلابة وعزيمه في المحافل الاقليمية والدولية والتي عملت جاهدة على النيل منه فوجدته صلباً لا يتزحزح كغرير العسل عندما تواجهه الوحوش من كل جانب. من يعتدي على غرير العسل فسوف يكتشف ان الارادة الذاتية صلبة وانه لا يستسلم، وهذه رسالة واضحة خرجت من السودان للمجتمع الدولي القريب والبعيد.
لولا العدوان الظالم من الدول المغرورة بأموالها وقدراتها العسكرية وعلاقاتها الجيوسياسية، والضعيفة بأطماعها في الارض والماء والذهب واليورانيوم وغيرها من ثروات، لما تفجرت ارادة الشعب السوداني ومؤسساته العسكرية والامنية منذ ابريل 2023. انها الارادة التي تجسدت تاريخيا في ثورة المهدي على اطماع الاستعمار التركي المصري في ثروات السودان. كما انها تجسدت في معركة كرري وفي الحراك الوطني بإجماع لمقاومة الاستعمار البريطاني واجباره على الخروج قسرا في عام 1956.
لقد تفاجا العالم بالصمود الاسطوري في مواجهة العدوان على الارض والعرض والثروات في السودان، وان الحرب زادته صلابة ومراساً. فمثلما يخرج غرير العسل منتصرًا من أشرس المعارك بفضل إرادته التي لا تكسر، يظل الشعب السوداني وجيشه الباسل درعاً متيناً، يكسر أطماع الطامعين، ويثبت للعالم أجمع أن العزيمة الوطنية الصادقة قادرة على صنع المعجزات وحماية الأرض وكتابة ملحمة النصر والكرامة مهما اشتدت المحن وغلظت التحديات.








