رأي

من أعلى المنصة ياسر الفادني يكتب الما بتحلقوا… جدعوا!

في السياسة، حين يعجز البعض عن مجاراة خصمه في الحجة، يبحث عن جحر قديم يخرج منه أسطوانته المشروخة! وهذا بالضبط ما كشفته المقارنة بين حديث مولانا أحمد هارون في برنامج (سودان بودكاست) وحديث ياسر عرمان في برنامج (الطريق 18).

أربع ساعات تحدث فيها هارون، فتح الملفات، ونبش القضايا، وطرح أفكاراً ومواقف تستحق النقاش والاختلاف والتفنيد، لم تكن مجرد ساعات أمام الكاميرا، بل كانت وجبة سياسية دسمة جعلت كثيرين يعيدون ترتيب أسئلتهم، وأخرجت ثعابين كثيرة من جحورها، فإذا بها تتلوى في الميديا!

لكن يبدو أن حديث هارون أحدث حمى سياسية وسط القحاتة، فاستدعوا ياسر عرمان ليكون القطب المقابل، غير أن الرجل لم ينجح في صناعة قطب، بقدر ما أعاد تدوير أسطوانة المؤتمر الوطني! أربع ساعات من هارون في مواجهة عصف ذهني عميق لكن عرمان ظل أسير سؤال واحد: أين المؤتمر الوطني؟ وكأن السودان اختُزل في حزب، والحرب اختُزلت في خصومة ديسمبر!

يا عرمان، ليس كل من عاد إلى موقع عام دليلاً على عودة المؤتمر الوطني، وليس كل اختلاف معكم مؤامرة لإعادة إنتاج الماضي. السياسة أدلة ووقائع ومشروعات، وليست توزيع اتهامات بالجملة، ولا تحويل المخاوف إلى حقائق بمجرد تكرارها

والأغرب أنك تتحدث عن ضرورة الحوار بين الجيش والدعم السريع وحلفاء الطرفين، بينما لا تقدم إجابات كافية عن كيفية تحديد المسؤوليات وحفظ الحقوق وجبر الضرر. الحوار ليس ممسحة سياسية لمسح آثار الدماء والخراب، ولا تذكرة عبور مجانية لمن يريد القفز فوق ذاكرة السودانيين.
المفارقة أن هارون، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، قدم مادة تستحق الرد، بينما ظل عرمان مشغولاً بتشريح خصمه أكثر من تقديم مشروع يجيب عن سؤال: ماذا تريدون للسودان بعد كل هذا الخراب؟ فليس من السياسة أن تحفظ أسماء خصومك عن ظهر قلب، وتنسى أن تقدم للناس عنوان مشروعك!

المشكلة ليست في أن تختلف مع أحمد هارون، فهذا حق سياسي مشروع، وإنما المشكلة أن تستدعي ياسر عرمان لمواجهة أربع ساعات من النقاش، فيعود بك إلى أرشيف الخصومات القديمة، وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن السودانيين لا يملكون ذاكرة ولا عيوناً ترى ما يجري حولها

السودان لا يحتاج إلى سياسيين يتبارون في استحضار الأشباح، بل إلى عقول تواجه الحاضر وتقرأ المستقبل. ومن لا يملك إجابة عن أسئلة الناس، لا يستطيع أن يستر عجزه بكثرة الحديث عن خصومه

ومن أعلى المنصة أنظر… حيث أرى… أن أحمد هارون ألقى عصاه فتلقفت كثيراً من حبال الميديا، أما عرمان فظل يفتش عن حبل قديم يتعلق به، حينها عجز عن مجاراة المشهد
الما بتحلقوا… جدعوا! ….لكن المشكلة أن بعضهم كلما عجز عن التحليق، أراد أن يقنع الناس بأن السماء هي التي أخطأت عنوانها!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى