رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : إحياء القطاع الزراعي التقليدي في السودان.. نحو نهضة اقتصادية مستدامة

مقدمة

يشكل القطاع الزراعي التقليدي ركيزة أساسية للاقتصاد السوداني، حيث يعتمد عليه أكثر من 65% من السكان في معيشتهم، ويسهم بحوالي 35% من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى الرغم من أن السودان كان يتوقع سابقًا ان يصبح “سلة غذاء المنطقة”، حيث كان ينتج كميات كبيرة من المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية تكفي للاستهلاك المحلي والتصدير، إلا أن تراجع الاهتمام بهذا القطاع أدى إلى انخفاض الإنتاج وزيادة الاعتماد على الواردات والمساعدات الخارجية.

وقد شهد السودان خلال العقود الماضية تراجعًا كبيرًا في الإنتاج الزراعي والحيواني، مما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر في المناطق الريفية وهجرة أعداد كبيرة من السكان إلى المدن بحثًا عن فرص عمل بديلة. ومع استمرار هذا الاتجاه، تفاقمت المشاكل الاقتصادية، وازدادت الحاجة إلى حلول جذرية تعيد للزراعة مكانتها كمصدر رئيسي للدخل وتحقيق الأمن الغذائي.

أسباب تراجع القطاع الزراعي في السودان

وفي الوقت الراهن يعاني القطاع الزراعي من عدة مشكلات، أبرزها الهجرة الريفية المتزايدة نتيجة تدهور فرص العمل في الزراعة والرعي، حيث تشير التقديرات إلى أن 30% من سكان الريف قد انتقلوا إلى المدن خلال العقود الثلاثة الأخيرة. هذه الهجرة أثرت سلبًا على الإنتاج الزراعي، خاصة مع قلة القوى العاملة في الحقول والمراعي. كما أن الإنتاج الزراعي شهد انخفاضًا واضحًا بسبب غياب الدعم الحكومي، إذ لا يحصل سوى 10% من المزارعين على قروض زراعية تساعدهم على تحسين الإنتاج، مما يجبرهم على استخدام أدوات تقليدية غير فعالة تؤدي إلى تدني المحصول.

ويواجه المزارعون أيضًا نقصًا حادًا في مدخلات الإنتاج، مثل البذور المحسنة والأسمدة والمبيدات، والتي ارتفعت أسعارها بشكل كبير، مما جعل الكثير منهم يعزفون عن زراعة محاصيل ذات جدوى اقتصادية. كما أن تربية الماشية تأثرت سلبًا نتيجة تقلص المراعي الطبيعية بنسبة 40% خلال العقدين الماضيين، إضافة إلى تفشي الأمراض الحيوانية بسبب ضعف الخدمات البيطرية، مما أدى إلى انخفاض إنتاج اللحوم والألبان.

اما البنية التحتية في المناطق الزراعية فإنها تعاني من ضعف شديد، حيث تفتقر العديد من القرى إلى الطرق المعبدة التي تربطها بالأسواق، مما يؤدي إلى تلف المحاصيل قبل بيعها أو ارتفاع تكاليف نقلها، وبالتالي انخفاض أرباح المزارعين. كما أن نقص الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والمراكز الصحية والتعليمية يجعل الحياة في الريف صعبة، وهو ما يدفع المزيد من السكان إلى مغادرته.

ومعلوم ان التعليم الزراعي والتدريب الفني لا يزالان في مستويات متواضعة، حيث تفتقر المدارس والمعاهد إلى مناهج حديثة تُدمج فيها التقنيات الزراعية، مما يجعل الشباب ينظرون إلى الزراعة كمجال تقليدي غير مربح، بدلاً من كونها صناعة حديثة يمكن أن توفر لهم فرصًا اقتصادية حقيقية.

كيف يمكن إعادة المزارعين إلى الزراعة؟

لإعادة إحياء القطاع الزراعي وجذب المزارعين ، وخاصة الشباب إليه، يجب تغيير النظرة التقليدية لهذا المجال وجعله أكثر جاذبية من خلال إدخال التكنولوجيا الحديثة، مثل نظم الري المتطورة والميكنة الزراعية، مما يقلل من الجهد البدني ويزيد من الإنتاجية. كما أن توفير التمويل والدعم الفني للشباب الراغبين في الاستثمار الزراعي سيسهم في خلق جيل جديد من المزارعين الذين يعتمدون على أساليب زراعية حديثة بدلاً من الطرق التقليدية.

فتشجيع إنشاء جمعيات تعاونية إنتاجية في الريف يمكن أن يكون حلًا فعالًا، حيث يساعد المزارعون بعضهم البعض في التمويل والتسويق والتخزين، مما يقلل من تكاليف الإنتاج ويزيد من الأرباح. كما أن بناء أسواق زراعية محلية يمكن أن يساهم في تقليل الخسائر التي يتكبدها المزارعون بسبب اعتمادهم على الوسطاء، الذين يشترون المحاصيل بأسعار منخفضة ثم يبيعونها بأسعار مرتفعة في المدن.

كما ان توفير المدخلات الزراعية بأسعار مناسبة أمر ضروري لإعادة تنشيط القطاع، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تصنيع المعدات الزراعية محليًا بدلاً من استيرادها بأسعار مرتفعة. كما أن دعم إنتاج واستيراد الأسمدة والمبيدات بأسعار مدعومة بواسطة الدولة والجمعيات التعاونية الدولة سيساعد المزارعين في تحسين جودة محاصيلهم وزيادة الإنتاج.

اما في مجال الثروة الحيوانية، فمن الضروري العمل علي تحسين سلالات الماشية من خلال برامج التهجين والانتقاء الطبيعي، مما يزيد من إنتاج اللحوم والألبان. كما أن توفير اللقاحات والخدمات البيطرية سيقلل من الأمراض التي تتسبب في خسائر كبيرة للمربين. إنشاء محطات حديثة لتصنيع منتجات الألبان واللحوم سيساهم في رفع القيمة المضافة لهذه المنتجات، مما يزيد من دخل المزارعين والمربين.

الاستفادة من الثروة السمكية

وإلى جانب الزراعة وتربية الماشية، يمتلك السودان موارد كبيرة في قطاع الثروة السمكية، حيث تقدر المخزونات السمكية في المياه السودانية بحوالي 110 ألف طن سنويًا، لكن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز 35 ألف طن فقط، وهو أقل من 30% من القدرة الإنتاجية المتاحة. ورغم هذه الإمكانيات، فإن مساهمة قطاع الأسماك في الناتج المحلي الإجمالي لا تزال ضعيفة، بسبب قلة الاستثمار و تخلف التقنيات المستخدمة.

ولزيادة الاستفادة من هذه الموارد، يجب توفير المعدات الحديثة للصيادين، مثل القوارب المزودة بماكينات الديزل والشباك المتطورة، إضافة إلى تدريب الصيادين على أساليب الصيد الحديثة والاستزراع السمكي، مما يمكنهم من زيادة إنتاجهم. كما أن تحسين عمليات التسويق والتخزين عبر إنشاء مصانع لتعليب وتجميد الأسماك سيساعد في تقليل الهدر وزيادة فرص التصدير.

دور الدولة في دعم القطاع الزراعي التقليدي

ان تطوير البنية التحتية في المناطق الريفية يمثل خطوة أساسية في إنعاش الزراعة، حيث يجب إنشاء طرق زراعية جديدة تربط القرى بالمراكز التجارية، مما يسهل نقل المحاصيل ويقلل من التلف والخسائر. كما أن توفير الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والمستشفيات، سيجعل الحياة في الريف أكثر استقرارًا ويقلل من الهجرة إلى المدن.

كما ان إنشاء مراكز تدريب زراعية متخصصة سيكون له أثر إيجابي في تحسين مهارات المزارعين، حيث يمكن إدخال برامج تعليم زراعي حديثة في المدارس والمعاهد، مما يشجع الشباب على دخول هذا المجال برؤية جديدة تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا.

ولا شك ان تسهيل التمويل الزراعي عبر تقديم قروض ميسرة للفلاحين هو أمر ضروري لدعم الاستثمار في الزراعة، إضافة إلى دعم برامج التأمين الزراعي التي تعوض المزارعين عن الخسائر الناتجة عن الكوارث الطبيعية، مثل الجفاف والفيضانات.

خاتمة: نحو زراعة مستدامة تحقق الأمن الغذائي

إذا أراد السودان أن يحقق الاكتفاء الذاتي ويخرج من دائرة الاعتماد على الإغاثة الدولية، فلا بد من إعادة إحياء القطاع الزراعي وجعله أكثر إنتاجية واستدامة. وهذا يتطلب جهودًا مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، حيث يجب على الدولة توفير الدعم والبنية التحتية، وعلى المزارعين تحديث أساليب الإنتاج، وعلى الشباب الاستثمار في الزراعة باعتبارها مجالًا اقتصاديًا واعدًا.

وبهذا النهج، يمكن للسودان أن يستعيد مكانته كإحدى أكبر الدول الزراعية في إفريقيا، مما يعزز استقلاله الاقتصادي عبر الإنتاج المحلي، بدلاً من الاعتماد على استيراد الغذاء أو المساعدات الغذائية الخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى