رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : الأستاذ عبد الرحمن دقش.. جسر التواصل بيني وبين الطيب صالح

في عام 1965، كنت من المحظوظين بالالتحاق بمدرسة الدندر الوسطي. فالدخول للوسطي في ذلك الزمان لم يكن فقط عن طريق الشطارة، بل كان الحظ يلعب دورًا كبيرًا. وهذه قصة أخرى، كما يقول الطيب صالح.

وها أنا أغتنم هذه السانحة الرمضانية المباركة لتحقيق أمنية طالما لازمتني لسنوات عديدة، وهي تسجيل ذكريات عزيزة مع أستاذي الجليل عبد الرحمن محمد إبراهيم، الذي اشتهر هو وأسرته بلقب “دقش”، نسبة إلى منطقة دقش في ولاية نهر النيل، حيث نزح منها والده ليستقر بمدينة السوكي، التي كانت هدفًا لاحتلال الجنجويد حتى تم دحرهم عنها بواسطة الجيش في أكتوبر عام 2024.

التحق الأستاذ دقش معلّمًا في مدرسة الدندر الوسطي عام 1966 ونحن في عامنا الدراسي الثاني بالمدرسة. وكان من حسن طالعنا أنه تم اختياره معلمًا لنا للغة الإنجليزية، التي بدأها معنا في العام الأول من دراستنا في الوسطي الأستاذ الأمين محمد علي خيري. وكان ناظر المدرسة، الأستاذ سليمان محمد أحمد، يراهن على أن دفعتنا ستُحقق نجاحًا باهرًا في امتحان الشهادة بعد ثلاث سنوات، ولذلك حرص على تخصيص أفضل الأساتذة لنا في كافة المواد، خاصة وأن المنافسة كانت شديدة بين المدارس الوسطي في تلك الفترة في مديرية النيل الأزرق للوصول إلى المدارس الحكومية الكبرى مثل سنار وحنتوب.

كانت فرحتنا عظيمة بالأستاذ الشاب، الذي لم تكن تفصل بينه وبين بعضنا سوى سنوات قليلة. فبسبب قلة المدارس في ذلك الزمان، كان بعض التلاميذ يلتحقون بالمدرسة الأولية بعد أن تكون أعمارهم قد تجاوزت السبع سنوات، ثم لا يتمكنون من دخول المدرسة الوسطي إلا بعد عدة محاولات، مع إصدار أسرهم شهادات تسنين جديدة لإخفاء أعمارهم الحقيقية.

كان الأستاذ دقش متميزًا في كل شيء. كانت هيئته حسنة، وهندامه أنيقًا ونظيفًا، وكان مرتبًا في مظهره. لم يكن يرتدي الملابس التقليدية بل كان يحرص على ارتداء بنطلون الجينز الأبيض او الأسود ، الذي أصبح جزءًا من هويته، ويكمله بقميص هادي اللون طويل الأكمام وصندل أسود يعكس بساطته وأناقته في آن واحد. ولم يكن اهتمامه بمظهره مجرد عادة، بل كان انعكاسًا لشخصيته المنضبطة وذوقه الراقي، مما جعله محط أنظارنا وأنظار زملائه المعلمين. وكان يمتاز بشخصية المعلم المرهوب المحبوب. لم يكن يجامل في تقصير أو إهمال، ولم يعاقب إلا في حالات نادرة. كان يسكن معنا في السكن الداخلي في قسم مخصص للمعلمين، وكنا نتحلق حوله هو وبقية الأساتذة في الأمسيات. وكان حديثهم معنا يتعدى السمر إلى الإرشاد والتوجيه. كانوا مثل الآباء او الاخوة الكبار، يأمروننا بالصلاة وحسن الخلق والمظهر ويتفقدون المرضى، ويعينون المحتاجين في الخفاء.

كان الأستاذ دقش معلّمًا شاملاً. لم يعلمنا اللغة الإنجليزية فحسب، بل حببنا في تعلمها. وكانت حصته من أمتع الحصص بالنسبة لنا. وتحت إشرافه وإصراره قرأنا كثيرًا من الروايات الإنجليزية الكلاسيكية الميسرة التي كانت تذخر بها مكتبة المدرسة، مثل أعمال رالف إلسون، هنري رايدر هاجارد، شارلوت برونتي، ألكسندر دوما، ميغيل دي ثيربانتس، وتشارلز ديكنز. لذا لم يكن غريبًا أن نصدر، في نهاية السنة الثانية، جريدة حائطية باللغة الإنجليزية، نعم، باللغة الإنجليزية.

وقد سعدت كثيرًا عندما التقيته وأنا طالب في جامعة الخرطوم في أواخر السبعينات، حيث التحق هو بكلية التربية للتحضير للدراسات العليا. وأسرّ لي بأنه اختار كراسي من ضمن عدد من الكراسات الأخرى كنموذج في بحثه. وأذكر أنني، وكنت صادقًا، قلت له إن ذخيرتي من قواعد اللغة الإنجليزية هي ما تعلمته منه في مدرسة الدندر الوسطي.

كان الأستاذ دقش كثيرًا ما يجعل للحصة هوامش وإضافات، أو فلنقل “يخرج عن النص” بمصطلح الدراما، فيطلق لنفسه العنان ليحلق بنا في فضاءات واسعة من الثقافة والأدب، مما لم يتسع له المنهج الدراسي. فكان أحيانًا يقرأ لنا أبياتًا من شعر نزار قباني أو شيئًا من كتاباته الصحفية في ذلك الوقت. وكنا نحتفي بذلك ونسعد به.

دخل علينا الأستاذ دقش الفصل صباح يوم وهو يحمل في يده كتابًا باللغة العربية، وبعد أن حيّانا ورددنا عليه بأحسن منها، طلب منا أن نضع كتب اللغة الإنجليزية في أدراجنا وقال: “اليوم سأقرأ عليكم رواية لكاتب سوداني لمع نجمه مؤخرًا هو الأديب الطيب صالح. والرواية هي ‘عرس الزين’ التي صدرت حديثًا.” ولم يكن أحدنا قد سمع بالطيب صالح من قبل.

انطلق صوت الأستاذ دقش ينساب عبر الرواية، سطرًا سطرًا، وصفحة تلو صفحة، ونحن كما لو كنا على رؤوسنا الطير، وقد عمّ الصمت واحتبست الأنفاس. كان الأستاذ دقش يقف أمامنا، ممسكًا بالرواية بيد ويده الأخرى في جيب بنطلونه الأبيض، يقرأ بصوت رخيم يحمل نغمات تشد انتباهنا وكأننا في حلم. كان يخرج الكلمات بوضوح، يمد بعض الحروف ليعطيها وقعًا خاصًا، ويقطع الجمل في مواضع مؤثرة، مما يزيد من ترقبنا لما سيأتي بعد ذلك.

لم يكن يكتفي بالقراءة، بل كان يعبر بتمايل رأسه وحركاته عما تحمله الكلمات من معانٍ؛ يرفع حاجبيه عند المفاجآت، ويخفض صوته عند اللحظات المؤثرة، ثم يعلو صوته بحماس عندما يشتد الموقف. وبين الحين والآخر، كان يتوقف، يرمقنا بنظرة فاحصة ليرى أثر كلماته في وجوهنا، وكأنه يرسم لنا المشهد ولا يقرأه فقط.

كنا نتابعه بتركيز، ننجذب نحوه دون وعي، نشعر وكأننا في حلم داخل الرواية، نعيش مع شخصياتها، ونترقب أحداثها، كل ذلك بفضل أدائه الرائع الذي جعل الكلمات تنبض بالحياة كأنها ورود تتفتح لتري الشمس.

واستمرت القراءة حتي قرع الجرس معلنًا نهاية الحصة وبداية فسحة الفطور. فأمسك الأستاذ عن السرد الجميل ووعدنا بمواصلة القراءة في الحصص التالية واوفي بوعده حتى نهاية الرواية، وعشنا تفاصيل أحداثها، وشاركنا الزين ونعمة فرحة زواجهما، واحتفلت القرية واحتفلنا معهم.

وبفضل الأستاذ دقش اكتشفنا الطيب صالح وأحببناه، وتعرفنا إلى رواية “عرس الزين” في تلك الفترة المبكرة من حياتنا. وما زلنا نفخر بأن تلك الرواية، التي كانت أولى إبداعات الطيب صالح، تعد واحدة من أبرز الأعمال الأدبية في السودان والعالم العربي. كما هو معروف، تدور الرواية حول شخصية الزين، الشاب القروي البسيط والمحبوب رغم مظهره الغريب وسلوكه الطريف، لكنه في الوقت نفسه صاحب قلب طيب ونقي. ورغم أنه لم يكن يُنظر إليه باعتباره شخصًا جذابًا، كان دائم الوقوع في الحب، لكن لا ينجح في الارتباط بأي فتاة، حتى يأتي اليوم الذي يعلن فيه زواجه من نعمة، الفتاة الجميلة ابنة التاجر الغني.

تُصور الرواية بأسلوب سردي مشوق حياة الريف السوداني، وتعكس العادات والتقاليد الاجتماعية في القرى، حيث تبرز مظاهر الفرح والاحتفال التي ترافق الزواج. كما تتناول الرواية شخصيات متنوعة، من رجال الدين إلى الشخصيات الفكاهية، مما يجعلها لوحة أدبية زاخرة بالحياة.

قضينا بقية العام الدراسي نسترجع شريط أحداث الرواية، وكان كل واحد من دفعتنا يشعر وكأنه كان أحد شخصيات تلك الحكاية، وأنها لم تقع في قرية نائية في أقصى الشمال على ضفاف النيل، بل في كركوج أو السوكي أو ود الريف. فلم لا؟ وكل هذه القرى والبلدات الصغيرة تقع أيضًا على ضفتي النيل. وكما في تلك القرية، كان لنا أيضًا صبايا جميلات مثل نعمة التي يتزوجها الزين في نهاية الرواية، وهناك العديد من النساء البدويات اللاتي يبعن اللبن المغشوش مثل حليمة بائعة اللبن. والطريفي، ذلك الولد المكار في الرواية، والذي تطابقت أوصافه مع شخصية زميلنا العفريت المليح عباس، وقلنا لبعضنا: سبحان الله، كان الطيب صالح قد استعار المليح منا ليؤدي ذلك الدور. وحتى الناظر، بدأ لنا وكأنه ناظر مدرستنا المهاب، سليمان محمد أحمد. أما الزين بطل الرواية، فقد أقسم عمر هدي أنه يعرف شخصًا بنفس السمات والمواصفات يُلقب بالديك ويعيش في قرية اللكندي بالقرب من كركوج.

لقد أبدع الأستاذ دقش وهو يروي لنا، في حصة اللغة الإنجليزية، حكاية “عرس الزين” بأسلوب الطيب صالح الساخر والرمزي، حيث مزج بين الفصحى والعامية السودانية، مما منح الرواية طابعها الواقعي والمميز. وما أحوج أبنائنا الآن إلى معلمين مخلصين وموهوبين مثل الذين كانوا في الماضي، حيث كان التعليم يحظى باهتمام كبير وجودة عالية، في وقت نعاني فيه اليوم من تدهور مستمر في جودة التعليم على مختلف المراحل التعليمية.

حكيت هذه القصة للطيب صالح بعد سنوات عديدة، في عام 2015 في قاعة انتظار درجة رجال الأعمال في مطار الدار البيضاء بالمغرب. كنا مسافرين إلى لندن على إحدى رحلات الخطوط المغربية، هو قادم من مهرجان أصيلة الثقافي، وأنا قادم من أبيدجان في طريقي إلى إدنبرة للمشاركة في مؤتمر ممثلًا عن البنك الأفريقي للتنمية. فتعجب الطيب صالح من القصة وقال لي بعفويته المفعمة بالدعابة: “والله أنا ما كنت مفتكر ناس الصعيد مفلهمين للدرجة دي!”

وعلى الرغم من أنني لم أقابله منذ سنوات، فقد ظل الأستاذ عبد الرحمن دقش القريب البعيد. وقد سعدت ايما سعادة حين عملنا معا لمدة عشر سنوات في دولة الامارات المتحدة، هو في راس الخيمة وانا في الشارقة، حيث كان بيننا تواصل وزيارات. ومن عجائب الصدف أن بين زوجتينا صلة قربي، وتربط بيننا المناسبات الاجتماعية بأفراحها وأتراحها.

وكثيرا ما احرص لأقرأ ما يكتب في منصته الإلكترونية حيث يشتهر الأستاذ دقش بكتاباته العميقة التي تتناول القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في السودان. وقد كتب في عدة صحف سودانية، وقدم العديد من المقالات التي تهدف إلى تسليط الضوء على المشكلات المحلية ومناقشة سبل الحلول.

يتميز عبد الرحمن دقش بأسلوبه النقدي البناء واهتمامه بالمجتمع السوداني، بالإضافة إلى قدرته على التأثير في الرأي العام من خلال طرح قضايا تهم المواطن السوداني بشكل عام.

وفي الختام، يظل الأستاذ عبد الرحمن دقش في ذاكرتي أحد الأشخاص الذين كان لهم أثر عميق في حياتي، ليس فقط على صعيد التعليم، بل أيضًا على صعيد الانفتاح على ثقافات وآفاق جديدة. فقد علمنا كيف نحب المعرفة، وكيف نقرأ بين السطور، وكيف نعيش في عالم مليء بالأدب والفكر والوعي. كان جسرًا يربط بيننا وبين الكثير من القيم الإنسانية السامية، وفتح لنا أبوابًا لا حصر لها لفهم عميق لواقعنا وظروفنا.

إن ما تعلمناه منه لا يقتصر على دروس اللغة الإنجليزية أو الأدب، بل يشمل المبادئ التي غرست فينا عن الأمانة، والعمل الجاد، والتفكير النقدي. ورغم مرور السنوات، يظل الأستاذ دقش في ذاكرتنا، محفورًا في أعماقنا كمعلم وصديق وأب روحي، ليس فقط للمعرفة التي منحها لنا، بل أيضًا للقيم التي زرعها في قلوبنا. فله منا كل التقدير والاحترام، وستظل سيرته الطيبة علامة فارقة في مسيرتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى