رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :بروفيسور قرشي محمد علي: مدافع مدى الحياة عن الابتكار في التعليم العالي. (1-2)

بروفيسور قرشي محمد علي هو واحد من الشخصيات البارزة التي قادت مسيرة التعليم في السودان، وترك بصمته الواضحة في مجالات الطب والتعليم العالي. رغم التحديات العديدة التي واجهها خلال مسيرته الأكاديمية والمهنية، إلا أن إصراره ورؤيته الثاقبة جعلت منه رمزًا للتفاني في خدمة العلم والمجتمع. لم يكن مجرد أكاديمي فحسب، بل كان قائدًا ملهمًا شجّع على التفكير النقدي والابتكار في مجاله، مما ساعد في تطوير العديد من المؤسسات التعليمية.
وقد تكون شهادتي في البروفيسور قرشي مجروحة عند البعض بسبب العلاقة الوثيقة التي ربطتنا منذ زمن بعيد. فقد حظيت بمعرفته بمحض الصدفة لأول مرة في لندن صيف عام 1977. كان هو مبعوثًا يحضّر للدكتوراه في جامعة لندن، بينما كنت طالبًا في جامعة الخرطوم، وقد جئت لندن في زيارة طلابية. وتلك قصة مثيرة سأرويها لكم في مقال آخر إذا مد الله في الأجل. ومنذ ذلك الوقت، أصبحنا أنا والبروفيسور قرشي صديقين مقربين لم تفرقنا حتى ثلاثة عقود من الاغتراب.
أشهد أن سيرة بروفيسور قرشي المهنية والتعليمية وإنجازاته العديدة لا تحتاج إلى مروج، فهي متاحة ومعروفة للجميع. ولا أخالك تدخل اسمه في محرك البحث على الإنترنت إلا وتندهش من وفرة المعلومات عنه: سيرته الذاتية وكتبه ومقالاته ومن استشهد بأبحاثه ونحوه. وعلاوة على ذلك، فقد أتحفنا بروفيسور قرشي بداية هذا العام بإصدار الطبعة الثانية المنقحة من كتابه ذائع الصيت “على أكتافهم”، والذي أتمنى أن يتمكن كل من يستطيع القراءة أن يحوزه ويستمتع بقراءته من الغلاف إلى الغلاف. وكان من حسن الطالع أنني قد حصلت على نسخة منه واستعنت به في كتابة المقال الذي بين أيديكم، سيداتي وسادتي القراء. فهذا سفر قيم، ليس فقط لأنه يسرد قصة حياة رجل استطاع أن يسهم بقدر كبير في تعليم أبناء هذه البلاد وجيرانها، ولكن أيضًا لكونه يحمل بين دفتيه ملحمة تحدي للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كان يمكن أن تعصف بطفل فقير في قرية مغمورة من قرى الجزيرة، تهوي به إلى قاع المجتمع وتحوله إلى مهمش، كما يصف بعض الناس أنفسهم هذه الأيام. ولكن بدلاً من ذلك، استطاع ذلك الولد، بتوفيق ربه ثم بجهده، أن يواجه التحديات وينطلق إلى آفاق العلم والتميز والريادة.
وعليه، فإني أجازف بمقالتي هذه بالغوص في أعماق شخصية البروفيسور قرشي، حيث مكمن الدرر التي ربما لم يطلع عليها إلا من كان مقربًا منه مثلي. ولا أفخر عليكم بذلك وإن كان يجوز لي أن أفخر. وأجد نفسي كأني أسير في دهاليز لا أدري إلى أين تقودني. فما أوشك أن أتمكن من قرشي الأستاذ الباحث في العلوم الطبية فالقيادي الأكاديمي، حتى يظهر لي بقفطان الشيخ ثم بخوذة المهندس، ومرةً التمسه فإذا هو في فريق المحللين السياسيين، وتارةً أجده أديبًا ناقدًا، بل ناشرًا للكتب. وأكثر ما أرعبني خلال تلك الرحلة أنه يظهر عند كل منعطف ويسألني في تحدٍ: “لقيتونا كيف؟”
فعذرًا أيها القراء إن عجزت عن إمساك قرشي وتشريح سيرته كما ينبغي، وعذرًا يا صديقي إن كنت قد تجاسرت بالسير في دهاليزك
وُلد قرشي محمد علي قبل استقلال السودان بخمس سنوات في قرية “مناقزة” بالجزيرة، ويدعي صديقنا المرحوم عمر محمد الحاج أن أصل اسم القرية هو “مناجزة” ويزعم ان له في ذلك ادلة ومصادر شفهية.  صعد الطفل ابن المزارع هذا إلى عالم الريادة العلمية من بيئة تقليدية كان التركيز الأساسي فيها ينصب على العمل الزراعي أكثر من التعليم الأكاديمي. وكان عليه تحدي الفهم الجمعي بالنظر إلى التعليم كنشاط ثانوي تتقدمه الزراعة كضرورة وجودية، وكان عليه كذلك أن يساهم منذ صغره في تحمل مسؤوليات عائلية ممتدة. وكان عليه أن يواجه تحدي التوازن بين التزاماته الأسرية والدراسية. وكانت التحديات الاقتصادية كبيرة، إذ لم يكن الحصول على الموارد التعليمية سهلاً، حيث كانت بعض الأدوات والكتب غير متوفرة بسهولة مما اضطرّه في بعض الأحيان إلى البحث عن وسائل إضافية لدعم تعليمه ومواصلة دراسته في ظل تلك الظروف الاقتصادية الصعبة. لم يكن الناس في ذلك الزمان فقراء بالتعريف الاقتصادي للفقر، ولكني أحسبهم كانوا قنوعين بما عندهم، فقراء في تطلعاتهم، متواضعين في كسبهم.
بدأ قرشي رحلته الأكاديمية في جامعة الخرطوم، حيث حصل عام 1974 على درجة البكالوريوس في العلوم الطبية الأساسية بعد أربع سنوات من الدراسة بكلية الطب. ثم تم تعيينه معيدًا بالكلية وابتُعِث إلى جامعة لندن للتحضير لدرجة الدكتوراه في التشريح، حيث نالها في عام 1978. ثم التحق بجامعة لندن، وهو من أحفاد الشهيد عبد القادر محمد إمام ود حبوبة، الذي قاد أول ثورة ضد الإنجليز في منطقة الجزيرة. ولما ظفروا به الإنجليز، أعدموه شنقًا في صبيحة الأحد 17 مايو عام 1908 في سوق حلة مصطفى. وقد رثته شقيقته رابحة بمرثيتها المشهورة “بتريد اللطام أسد الكدادة الزام”، التي أبدع في أدائها الفنان الراحل بادي محمد الطيب، عليه الرحمة. والكدادة، لمن لا يعرفها، هي الغابة الكثيفة الأشجار. وتشاء الصدف أن بادي محمد الطيب هو نفسه الفنان الذي شنف الأسماع عندما احتفلت قرية مناقزة بنيل ابنها قرشي جائزة الأطباء العرب بعد ذلك بأعوام.
لم يجاهر قرشي الإنجليز بالكراهية، ولكن يقيني أنه لم يفتتن بحبهم، ودليلي على ذلك أنه لم تنكسر له ضلعة في هوى أي من شقراواتهم كما حدث لكثير من المبعوثين في ذلك الزمان. ولكنه لما عزم على اكمال دينه اختار صبية سودانية تضاهيهم خِلقةً وتفوقهم خُلقاً، فبكرت له بأحمد وتنت بأريج، مثلما كانت تتمنى المغنيات للعريس في سيرة العديل والزين. 
وقد علمت، ولم أندهش، أن زفة العرس السودانية صارت الآن في الأحياء السودانية بالقاهرة مثل الفيصل والهرم تتم على أنغام الآلات النحاسية لفرقة حسب الله. بل زعموا أنهم صاروا يحملون العرسان في عربة حنطور يجرها حصانان. لكنني سررت إذ علمت أن بعض حوانيت المواد الغذائية في هذه الأحياء تعرض الكول والويكاب والويكة. والكول والويكاب نوعان من الأطعمة التقليدية التي تعتمد على النباتات المحلية، وهما جزء من الثقافة الغذائية في غرب ووسط السودان. والويكة هي مسحوق البامية المجففة وهي مشهورة ومأكولة في جميع بقاع السودان، وقد زعموا حديثا ان لهذا الثلاثي الغذائي فوائد صحية عظيمة، والله اعلم. 
وأثناء بعثته في إنجلترا تعرض قرشي لتحدٍ ما كان في حسبانه، إذ قررت حكومة الرئيس نميري، عليه الرحمة، إنهاء ابتعاث عدد من الطلاب الذين صنّفتهم حينئذٍ كمعارضين لثورة مايو، وكان قرشي من ضمنهم نظرًا لنشاطه في اتحاد الطلاب المسلمين في إنجلترا وإيرلندا. ولكن الآن فقط تظهر لنا ملامح شخصية قرشي. فلم يذهب قلبه شعاعًا ولا حار به الدليل، وجزاه الله بما قيض له ولأسرته الصغيرة دارًا مجانية من أحد اصدقائه الخليجيين خيرًا من داره التي كان يستأجرها، كما منحته الجامعة تمويلًا ليكمل دراسته. وهكذا دبر معيشته حتى فرغ من دراسته.
وهنا أيضًا لابد من وقفة نتأمل فيها معدن الرجل ونبل خلقه، فلو كان ممن يحمل الحقد الدفين لما عاد للسودان كما فعل الكثيرون الذين اتخذوا إنهاء بعثاتهم سببًا لتحولهم إلى معارضين محترفين وطلبوا اللجوء في بريطانيا أو أي بلد آخر. بل إن كثيرًا ممن لم تُقطع بعثاتهم ولوا هاربين من السودان وتعاقدوا للعمل في دول الخليج بعروض يسيل لها اللعاب. كان قرشي يحس بأن فاتورة تعليمه منذ المدرسة الأولية كانت دَيْنًا في رقبته تجاه دافعي الضرائب المساكين من مزارعي الجزيرة وعمال السكة الحديد وغيرهم، وكان لا ينبغي عليه أن يأكل الدين كما علمه والده الشيخ الزاهد المزارع. وعلى رأي أبي العلاء المعري: ويُنْشَأُ ناشِئُ الفتيانِ منا  على ما كان علمه أبوه.
وفي بريطانيا، تعرّف قرشي على عدد كبير من الطلاب من دول مختلفة، وكان من أبرزهم السياسي الماليزي الدكتور أنور إبراهيم. وعندما شاركت في مؤتمر في ماليزيا عام 1984، افتتحه د. أنور إبراهيم وكان حينها وزيرًا للتربية، وعندما لاحظني أثناء خروجه من القاعة. توقف لبرهة، قرأ بطاقتي، وعندما أدرك أنني من السودان وعرف انني زميل لدكتور قرشي، احتضنني وسألني عنه باهتمام. وما إن غادر، حتى التف حولي الصحفيون وربما بعض رجال الأمن، يستفسرون عما دار بيننا.
عاد د. قرشي محاضرًا بكلية الطب بجامعة الخرطوم، وكانت المفاجأة الأولى للمحاضر الشاب في السودان أن يكون بعض طلابه من زملائه ممن تقطعت بهم السبل وتأخروا في الدراسة بسبب الحظ العاثر أو الكسل المفرط. أما المفاجأة الثانية فحدثت عندما طلب من الكلية السماح له بالدراسة للعامين المتبقيين لإكمال متطلبات الحصول على بكالوريوس الطب والجراحة. ولكن لوائح الجامعة التي كانت تتبع نظامًا قد عفي عليها الزمن، حالت دون السماح له أن يكون طالبًا ومحاضرًا في نفس الوقت. فخيروه بين أن يُعاد تعيينه في وظيفة مساعد تدريس ويسمح له بالدراسة أو أن يستقيل كما حضر في بالجامعة ويسجل كطالب نظامي. ولم يتردد قرشي كثيرًا، إذ كان قد حدد أهدافه ويعلم مبتغاه فاختار أن يكون طالبًا، وقدم استقالته من عضوية التدريس. ولسخرية الأقدار، فقد اضطرت الكلية للتعاقد معه كمحاضر متعاون، وصار دخله من التعاون أضعاف راتب المحاضر، وفي نفس الوقت وجد فرصًا للتدريس في بعض المعاهد العليا التي تدرس مقررات في علم التشريح. واستمر على ذلك حتى نال بكالوريوس الطب والجراحة في عام 1981. وهذه سانحة أخرى نتمهل فيها لنتأمل خلالها صنفا من البشر الذين لا تهزمهم التحديات، وإنما يتحدوها ويخرجون منها أقوى عودًا وأشد صلابة. أو على رأي المثل: “الطلقة التي لا تقتلك تزيدك قوة”.
ثم التحق قرشي بجامعة الجزيرة من 1981 إلى 1988، وخلال تلك الفترة أتيحت له منحة من منظمة الصحة العالمية للدراسة بجامعة الإسكندرية حيث حصل على درجة الماجستير في الأشعة التشخيصية منها عام 1985، ليجمع بين خبرة التشريح السريري والتصوير الإشعاعي، وهو ما ميّزه لاحقًا في أبحاثه وتدريسه.
أذكر أنني قابلته في الإسكندرية في شتاء عام 1984، فحكى لي بعضاً من الطرائف التي وقعت له مع أساتذته المصريين. ومن ذلك أنه، ولعلمه بنظرة المصريين النمطية للسودانيين، كان يستعمل معهم ما يشبه فقه التقية، إذ كان يسأل عما هو به عليم ولا يجاهر بعلمٍ يعلمه ما وجد إلى ذلك سبيلا، خشية أن يصنّفونه متطاولا على أساتذته. وكنت أمازحه قائلاً: “الآن فقط أدركت مكر الحلاوين!”
وأثناء فترة عمله بجامعة الجزيرة، افتتح بروفيسور قرشي أول عيادة للتصوير والتشخيص بالأشعة المقطعية في مدينة ود مدني بعد أن اشترى جهازًا بلغت قيمته مبلغًا خرافيًا بحسابات ذلك الزمان وبتمويل من أحد البنوك التجارية. ولكنه اضطر إلى غلق العيادة بعد فترة وجيزة لأنها أصبحت أشبه بعيادة مجانية. فمعظم المرضى كانوا يعرفون قرشي بسبب القرابة أو يأتون إليه محولين من أصدقائه وأهله أو لأنهم لا يملكون المال. كنت أحيانًا أطّلع على العيادة ليلاً فأجدها مكتظة بالمنتظرين. وفي الصباح أخبره أنني رأيت عداده مرتفعًا الليلة الماضية. فيقسم لي أنه لم يحصل على ثمن المواد المستهلكة، دعك من التكاليف الأخرى. حمداً لله أنه وجد من يشتري منه الأجهزة، وإلا لحل ضيفًا بسجن ود مدني العمومي لبعض الوقت. وهكذا تعرض الدكتور الشاب لأول خسارة في مشروع خدمي استثماري كان يفترض أن يكسب منه ذهبًا. ولكن قرشي لم ينفطر قلبه ولا انفطر قلب الصديق العزيز الذي ضمنه لدى البنك. وظل قرشي هكذا كما عرفته. لا يفرح كثيرًا بما يجد من حطام الدنيا ولا يحزن على ما فاته. لا أقول إنه كان زاهدا، ولكن أعتقد أنه ما انفك محظيا بمتلازمة اليقين التي يتصف بها المزارع التقليدي في السودان. يدفن البذرة في الأرض ويتوكل على الله. إذا صحت حمد وشكر، والا احتسب وصبر. 

*ونواصل في الحلقة القادمة تناول صفحات خالدات من مسيرة العلم والمعرفة والأدب للبروفيسور قرشي محمد علي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى