رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : دور المنظمات الطوعية في التنمية المستدامة في السودان.

يمتلك السودان تجربة إنسانية رائدة في العمل الجماعي والتعاون المجتمعي، تتمثل في “النفير”، وهو تقليد سوداني أصيل كان الناس من خلاله يتعاونون لمساعدة المحتاجين في مختلف جوانب الحياة. في الماضي، كان النفير وسيلة رئيسية لدعم الزراعة، ودرء السيول والفيضانات، والمشاركة في دفن الموتى، بل وحتى إيواء الطلاب في البيوت عندما لا تتوفر لهم مساكن داخلية. لقد كان هذا النمط من التعاون نموذجًا فريدًا للتكافل الاجتماعي، يعكس مدى التلاحم بين أفراد المجتمع.

اليوم، ومع التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها السودان، نحن أحوج ما نكون إلى إعادة إحياء هذا المفهوم ولكن بصيغة حديثة تتماشى مع متطلبات العصر، من خلال دعم وتطوير المنظمات الطوعية. فهذه المنظمات يمكن أن تصبح الامتداد الطبيعي للنفير، حيث توفر إطارًا مؤسسيًا ومنظمًا يعزز من قدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية المستدامة

تعد المنظمات الطوعية واحدة من الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة في أي لسيول والفيضانات مجتمع. و تسب هذه المنظمات أهمية خاصة، نظرًا لانتشارها الواسع في القرى ومواقع العمل المختلفة، ولأنها تشمل جميع فئات المجتمع، من نساء ورجال، صغار وكبار. تقدم هذه المنظمات خدمات اجتماعية متعددة، تشمل جمعيات الإنتاج الزراعي، والجمعيات التعاونية، والصحية، وكذلك المنظمات البيئية، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من عملية النهوض بالوضع الاجتماعي والاقتصادية.

وتواجه السودان تحديات كبيرة على صعيد الوحدة السياسية والاجتماعية بسبب الخلافات المستمرة بين الأحزاب السياسية، والتي أدت إلى تراجع التنمية وتدهور الظروف المعيشية في كثير من المناطق. ومع فشل التجربة الحزبية في السودان، يمكن للمنظمات الطوعية أن تشكل نموذجًا بديلًا يحقق التنسيق بين أفراد المجتمع بغض النظر عن الانتماءات السياسية أو العرقية. هذه المنظمات توفر منصة مشتركة للعمل الجماعي، مما يعزز الحراك الاجتماعي، ويسهم في ترسيخ قيم التعاون والتضامن في مواجهة التحديات التي يواجهها المجتمع السوداني.

وتتمثل أهمية المنظمات الطوعية في قدرتها على الوصول إلى جميع طبقات المجتمع، بما في ذلك الفئات المهمشة مثل النساء والأطفال وكبار السن، الذين غالبًا ما يعانون من نقص الخدمات الأساسية. من خلال المنظمات الطوعية، يمكن توفير برامج تدريبية في مجالات الإنتاج الزراعي والصحة والبيئة، مما يساعد على تحسين الظروف المعيشية لهذه الفئات ويزيد من وعيهم بحقوقهم وأهمية المشاركة المجتمعية.

كما أن هذه المنظمات تلعب دورًا حيويًا في تعزيز مفهوم التنمية المحلية المستدامة، حيث يتم الاعتماد على الموارد المحلية المتاحة في المجتمع. ويعمل أفراد المجتمع على تحسين ظروفهم من خلال التعاون والمشاركة في مشاريع تنموية تساهم في تحسين البيئة، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتوفير الخدمات الصحية. ويعتبر هذا النوع من التنمية أكثر استدامة وأقل تكلفة، حيث يتم تمويله من خلال موارد ذاتية مع قدرة على تحقيق نتائج ملموسة في وقت أقصر.

ولا بد لنجاح المنظمات الطوعية أن تبتعد عن الفساد والمحسوبية، حيث يتم تقديم الخدمات بناءً على الحاجة الفعلية للمجتمع وليس بناءً على اعتبارات سياسية أو شخصية. ويجب ان تعمل هذه المنظمات على تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين جميع أفراد المجتمع، مما يعزز الثقة في المؤسسات المحلية ويقوي الروابط الاجتماعية بين المواطنين.

ولا شك في إن دور الحكومة في دعم المنظمات الطوعية أمر بالغ الأهمية لضمان نجاح هذه المنظمات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. يتطلب ذلك وضع سياسات تشجع هذه المنظمات على العمل بفعالية، وتقديم الدعم اللوجستي والمادي لها. يجب أن تعمل الحكومة على خلق بيئة قانونية وتنظيمية تحفز على تأسيس المنظمات الطوعية وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ مشاريعها التنموية. علاوة على ذلك، يمكن للحكومة أن تقدم الحوافز الضريبية للمنظمات الطوعية التي تساهم بشكل ملموس في تحسين حياة المواطنين.

هناك العديد من التجارب العالمية التي أثبتت فاعليتها في تعزيز التنمية المستدامة من خلال المنظمات الطوعية. على سبيل المثال، نجحت دول مثل الهند وبنغلاديش في استخدام المنظمات الطوعية في تحسين الإنتاج الزراعي، توفير الخدمات الصحية، وتعزيز التوعية البيئية، مما أدى إلى تحسين مستويات المعيشة في المناطق الريفية.

في الهند علي سبيل المثال، تلعب المنظمات الطوعية دورًا محوريًا في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، حيث تُعد هذه المنظمات جزءًا لا يتجزأ من النظام الاجتماعي، إذ تعتمد الدولة بشكل كبير على الجمعيات التعاونية والمنظمات غير الحكومية لدعم الفئات الهشة، وتمويل المشاريع الصغيرة، وتعزيز الاستدامة البيئية.

تنتشر الجمعيات التعاونية في مختلف أنحاء الهند، لا سيما في المناطق الريفية، حيث تقوم بتمويل المشاريع الصغيرة من خلال تقديم قروض ميسرة، مما يساهم في تحسين مستوى المعيشة وزيادة الإنتاجية.
وفقًا لبيانات الحكومة الهندية، هناك أكثر من 8.5 مليون جمعية تعاونية تعمل في مجالات الزراعة، الصناعات الصغيرة، التمويل، والتجارة.
حيث قدمت هذه الجمعيات دعمًا ماليًا مباشرًا لأكثر من 90 مليون شخص، مما ساعد في تحسين سبل العيش وتوفير فرص العمل.
كما ساهمت المبادرات التعاونية في الهند في خفض معدل الفقر في البلاد، حيث انخفضت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر من 37% عام 2005 إلى 22% في 2020، وفقًا للبنك الدولي.

وتمكنت النساء من لعب دور كبير في هذه الجمعيات، إذ إن حوالي 48% من المستفيدين من القروض الميسرة هم من النساء، مما عزز تمكين المرأة في المجتمع الهندي

الخلاصة

إن المنظمات الطوعية تمثل خيارًا حكيمًا للسودان لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة في ظل الظروف السياسية والاجتماعية الحالية. من خلال دعم الحكومة لهذه المنظمات وتوفير بيئة ملائمة لعملها، يمكن للسودان أن يحقق تقدمًا ملحوظًا في تحسين الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. إن هذه المنظمات، من خلال اعتمادها على الذات والموارد المحلية، قد تكون البديل الذي ينقذ السودان من آفات الفساد والتجاذبات السياسية، ليصبح نموذجًا عالميًا في التنمية المستدامة والشمولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى