رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : من أجل أبنائنا: مؤسسة تُعيد الأمل للتعليم العالي

شهد السودان في السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في عدد الجامعات الحكومية والخاصة، مما فتح أمام الطلاب فرصًا أكبر للحصول على التعليم العالي. ورغم هذا التوسع، فإن العديد من الجامعات لا تزال تعاني من تحديات كبيرة على مستوى التمويل والبنية التحتية التي تساهم في تعزيز جودة التعليم الأكاديمي. من أبرز هذه التحديات نقص المكتبات الحديثة، المختبرات العلمية والتطبيقية، بالإضافة إلى الافتقار إلى منصات تعليم إلكتروني حديثة توفر للطلاب والباحثين المحتوي العلمي المناسب لكافة البرامج الدراسية لمواكبة التطور العلمي والتكنولوجي.

وبالتوازي مع هذا الواقع، هناك سنويًا الآلاف من الطلاب الذين يلتحقون بالجامعات، لكنهم يواجهون صعوبة في الحصول على المعينات والمصادر التعليمية اللازمة لدراستهم ولتطوير مهاراتهم العلمية. إن هذا التحدي لا يؤثر فقط على جودة التعليم، بل يمتد ليضعف فرص العمل والمنافسة في السوق المحلي والخارجي، حيث يتطلب التوجه الحديث في التعليم العالي حلولًا غير تقليدية لدعم جودة التعليم.

صيحة لإنشاء مؤسسة تُعني بخدمات التعليم العالي

في ظل هذه الظروف، يسرني ان أطلق هذه الصيحة بدعوتكم، ايها السادة خاصة في قطاع التعليم العالي، للعمل بكل ما لديكم من جهد وموارد لانشاء مؤسسة لخدمات التعليم العالي كشركة مساهمة عامة، تهدف إلى تقديم الدعم اللوجستي والفني لجامعات السودان عبر مراكز متخصصة توفر الخدمات الأكاديمية المساندة. وفي ظني ان انشاء هذه المؤسسة سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم العالي في البلاد، ويعزز من قدرة الجامعات على تلبية احتياجات الطلاب في مختلف التخصصات الأكاديمية.

أبرز معالم المؤسسة المقترحة:
1. انشاء مراكز متخصصة: اقترح ان تُنشأ ثلاثة مراكز رئيسية في العاصمة الخرطوم، أم درمان، وبحري، إلى جانب مراكز فرعية في عواصم الولايات المختلفة. ستكون هذه المراكز مجهزة بكل ما يلزم من مكتبات حديثة، مختبرات علمية، ومرافق أخرى تدعم التعليم في مختلف التخصصات الأكاديمية.
2. الخدمات المقدمة:
• المكتبات الحديثة: توفر مراكز المؤسسة مكتبات مركزية متكاملة تحتوي على مصادر علمية متجددة ودوريات أكاديمية، مما يضمن حصول الطلاب على أحدث البحوث والمراجع في مجالات دراستهم.
• المختبرات العلمية والتطبيقية: تقدم المختبرات العلمية المشتركة معدات وأدوات حديثة، تتيح للطلاب تجربة تعليمية عملية في تخصصاتهم.
• مختبرات اللغات: تهدف إلى تدريب الطلاب على تعلم اللغات المختلفة، مما يساهم في تحسين مهارات التواصل الأكاديمي.
• المشارح النموذجية: توفير مشارح مجهزة لتدريب طلاب كليات الطب والبيطرة، مما يسهم في تحسين مستوى التعليم الطبي.
• ورش هندسية: تُخصص ورش مجهزة بالكامل لتدريب طلاب كليات الهندسة على استخدام أحدث التقنيات في مجالاتهم.
• إنشاء وسائل للنشر الأكاديمي والطباعة والتجليد: تهدف المؤسسة إلى توفير إمكانيات النشر الأكاديمي للطلاب والباحثين في مختلف المجالات العلمية. وستتضمن المراكز طابعات حديثة، وأدوات تجليد متطورة، بالإضافة إلى منصات رقمية للنشر الأكاديمي مما يساهم في نشر الأبحاث والدراسات التي ينتجها الطلاب في الجامعات السودانية.
3. منصات التعليم إلكتروني: ستتم تهيئة منصات تعليمية رقمية موحدة توفر محتوى أكاديمي متجدد ومتنوع، مما يسهل الوصول إلى المصادر التعليمية من أي مكان في البلاد.
4. تنظيم شراكات اكاديمية استراتيجية: ستعتمد المؤسسة في تمويلها على شراكة استراتيجية بين الحكومة السودانية، الجامعات، والمنظمات الدولية مثل اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية. ستساهم هذه الشراكات في تحسين جودة التعليم العالي عبر تبادل الخبرات وتوفير الدعم الفني والتدريب وتنسيق المشتريات والخدمات المشتركة بين الجامعات مما يقلل من التكاليف التشغيلية ويعزز من كفاءة استخدام الموارد.

إدارة المؤسسة
تُدار المؤسسة بوصفها هيئة مستقلة تتمتع باستقلال إداري ومالي كامل، وفق قانون ولوائح شركات المساهمة العامة بما يضمن كفاءتها ومرونتها. ويشرف عليها مجلس إدارة متخصص يضم خبراء في التعليم العالي من أكاديميين وممثلين عن المساهمين والجهات الداعمة. و تتولى إدارة تنفيذية محترفة قيادة العمليات اليومية، وتشمل إدارات فنية ومالية وتقنية ومساندة، تُعنى بتقديم الخدمات الأكاديمية والإدارية للجامعات وفق اعلي معايير الجودة والمستويات العالمية.

كما ستعتمد المؤسسة على آليات رقابة وإدارة الجودة الشاملة والتقويم المستمر لضمان النجار والشفافية، مع تنوع في مصادر التمويل يضمن الاستدامة، مثل الدعم الحكومي، اشتراكات الجامعات، والشراكات مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية

أهمية المقترح وضرورة النقاش الأكاديمي

إن “المؤسسة السودانية لخدمات التعليم العالي” تمثل خطوة هامة نحو تحقيق تطور ملموس في قطاع التعليم العالي، الذي يعد محركًا رئيسيًا لتنمية البلاد. هذه المبادرة ليست مجرد حل لمشاكل التمويل، بل هي أيضًا فرصة لتوفير بيئة أكاديمية تساعد الطلاب على اكتساب المهارات العملية والعلمية التي تؤهلهم لسوق العمل.

وارجو ان يبلغ من كل من وصلته هذه الصيحة من لم تصله حتي يُطرح هذا المقترح للنقاش بين كافة الأكاديميين وقادة التعليم العالي في السودان بهدف الاستفادة من آراء الخبراء في هذا المجال وتحسين تفاصيله بما يتناسب مع احتياجات الجامعات. واني لأرجو أن تكون هذه المناقشات بناءة وتدعم هذا المشروع الذي احسب ان من شأنه إحداث نقلة نوعية في التعليم الجامعي في السودان.

في ظني إن إنشاء هذه المؤسسة يمثل حلاً عمليًا ومستدامًا، ويتطلب التفاعل والتعاون بين كافة الجهات المعنية، بما في ذلك الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات الدولية. واتوقع ان تكون هذه المؤسسة بمثابة حجر الزاوية في تعزيز جودة التعليم العالي في السودان، مما يعزز من قدرة البلاد على مواجهة التحديات التعليمية والتنموية في المستقبل. إلا هل بلغت؟

أما بعد،

فإن “المؤسسة السودانية لخدمات التعليم العالي” التي اقترحها فتمثل خطوة عملية مهمة نحو تحسين وتطوير التعليم الجامعي في السودان، وهي فرصة حقيقية لتوفير بيئة تعليمية متكاملة تدعم الطلاب والباحثين في جميع التخصصات الأكاديمية. وفي ظل التعاون بين الأكاديميين وقادة التعليم العالي، والجهات المانحة، يمكن لهذا الحلم أن يتحول إلى واقع يساهم في تحقيق الهدف المنشود.

أقول قولي هذا وأنا أستحضر ماضي جامعاتنا العريق، حين كانت تزدهر بكل ما يعين الأستاذ على أداء رسالته، ويُعين الطالب على التحصيل والبحث والتفوق. في ذلك الزمن، كانت الجامعات الحكومية محدودة العدد، وكانت الدولة قادرة على الإنفاق عليها وتوفير احتياجاتها. أما اليوم، وقد توسّع قطاع التعليم العالي ليشمل الجامعات الحكومية والأهلية على حد سواء، بات من الصعب على هذه المؤسسات تأمين مستلزماتها التعليمية، خاصة مع الارتفاع الكبير في التكاليف وتزايد الأعباء المالية علي الجامعات. فالبدار البدار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى