رأي

الصديق عثمان الصديق يكتب : الفاشر تختنق: تأخير الحسم العسكري يفاقم المعاناة ويهدد بكارثة إنسانية

في قلب غرب السودان، تقف مدينة الفاشر على حافة الانهيار، محاصَرة من كل الاتجاهات، تئن تحت وطأة الجوع، وانعدام الدواء، والخوف من المجهول. ومع كل يوم يمر دون تدخل حاسم، تتفاقم المأساة، ويتزايد السؤال الحارق: لماذا تتأخر العمليات العسكرية لفك الحصار؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الصمت القاتل؟

حسابات معقدة.. وتحرك غائب

تشير مصادر ميدانية إلى أن القوات الحكومية تجد نفسها أمام تحديات عسكرية ضخمة، ليس فقط بسبب الطبيعة المفتوحة لجغرافيا دارفور، بل أيضًا بسبب تمركز قوات الدعم السريع والمجموعات المسلحة في محيط المدينة. يقول اللواء المتقاعد أحمد عمر: “أي تحرك دون دراسة دقيقة سيكلّف المدنيين أرواحًا كثيرة، وقد يفتح الباب أمام حرب شوارع كارثية.”

إلى جانب التعقيد العسكري، تواجه الحكومة ضعفًا لوجستيًا لافتًا، في ظل انقطاع طرق الإمداد وصعوبة تأمين خطوط التموين، مع غياب شبه تام للغطاء الجوي.

الاعتبارات السياسية تشل القرار

المعطيات السياسية تضيف بُعدًا آخر لتعطيل العملية العسكرية. فبحسب تقارير متطابقة، هناك محاولات من بعض الجهات الإقليمية والدولية للحيلولة دون التصعيد، خشية توسّع رقعة الحرب في دارفور، أو تصاعد الخطاب العرقي، وهو ما دفع صناع القرار إلى تبني نهج التريث، ولو على حساب المدنيين.

الكلفة الإنسانية تتصاعد

الحصار المضروب على المدينة منذ أشهر أدى إلى شلل تام في الخدمات، وانعدام شبه كلي للغذاء والماء والدواء. وفي بيانها الأخير، حذّرت منظمة أطباء بلا حدود من “انهيار وشيك للنظام الصحي في المدينة، وغياب أي قدرة على التعامل مع موجات النزوح أو الإصابات.”

وتروي إحدى الناشطات من داخل الفاشر: “نعيش على وجبة واحدة في اليوم، أحيانًا لا نجد شيئًا على الإطلاق. الصيدليات أُغلقت، والمستشفيات لم تعد تعمل.”

أزمة ثقة.. ومخاوف من تفكك دارفور

تأخر التدخل العسكري يُفقد الحكومة المركزية ما تبقّى من ثقة لدى سكان الإقليم، في ظل شعور متزايد بأن دارفور تُركت لمصيرها. ويذهب بعض المحللين إلى أن هذا التباطؤ قد يُمهّد لانفصال فعلي، أو على الأقل يفتح الباب أمام تدويل الأزمه.

إن الوضع في الفاشر لم يعد يحتمل الانتظار. كل يوم يمر دون حسم يزيد من كلفة التدخل لاحقًا، ويرفع من سقف المأساة الإنسانية. ما يحدث هناك ليس مجرد “تأجيل عسكري”، بل اختبار حقيقي لإنسانية القرار السياسي، وقدرة الدولة على حماية مواطنيها في أقسى الظروف.

واشنطن: الصديق عثمان الصديق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى