رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : مركز الإغاثة والتنمية السوداني الأمريكي (SARC) جسر إنساني ومعرفي بين السودان وأمريكا

في خضم التحديات المتفاقمة التي تعصف بالسودان على المستويات السياسية والاقتصادية والإنسانية، تزداد الحاجة إلى مبادرات حقيقية تنبع من عمق المجتمع المدني. وفي لحظات الأزمات، يتحرك الحس الجمعي للسودانيين تلقائيًا، فتتحول الحيرة إلى طاقة، والقلق إلى فعل. فيلتفت الفرد حوله باحثًا عمّن يشاركه الهم أو يستنجد به، ثم لا يلبث أن يغوص في ذاته، يستخرج منها بذور المبادرة، وقد يكتشف أن الحل أقرب مما يظن.

هكذا تولد الأفكار، من رحم المعاناة، وتتلألأ ومضات الأمل في نفق الغموض. فالحاجة أمّ الاختراع، وكل خطوة صادقة تحمل بركة السعي، إذ لا يُحرّك عجلة التغيير سوى الإيمان بقدرة الأفراد على صناعة الفرق.

وهكذا وُلدت فكرة مركز الإغاثة والتنمية السوداني الأمريكي (SARC) ببساطة وصدق، خلال جلسة استراحة كنت فيها في ضيافة سعادة السفير الدكتور معاوية التوم، نائب مندوب بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة، تحت ظل شجرة وارفة في ميدان داغ همرشولد، قبالة مقر الأمم المتحدة في قلب مدينة نيويورك.

وداغ همرشولد، للذين لا يعرفونه، هو دبلوماسي سويدي وأمين عام سابق للأمم المتحدة تولّى المنصب في الفترة من 1953 حتى 1961، وقد عُرف بنزاهته ورؤيته الإنسانية العميقة، وقضى نحبه في حادث طائرة غامض أثناء مهمة سلام في الكونغو، ويُعد من أبرز رموز العمل الدولي، وقد مُنح جائزة نوبل للسلام بعد وفاته.

وفي ظني، لم يكن ذلك اللقاء وما تمخض عنه مصادفة قدرية فحسب، بل تحقيقاً لحميمية علاقتي بسعادة السفير وتجسيداً لاستمرارية الشعلة الإنسانية التي حملها همرشولد ومضى بها حتى آخر رمق. وبينما يظل السواح العابرون بالمكان يتأملون في إرث رجل مات من أجل السلام، جلس سودانيان يتلمسان في المكان ذاته بداية حلم جديد، استجابةً لصرخات النازحين والجوعى والثكلى في وطنهم الممزق بالحرب. هكذا جاء ميلاد المنظمة، لا كفكرة إغاثية عابرة، بل كموقف إنساني يحمل امتدادًا روحيًا لذلك الإصرار الأنساني على أن أرواح الأبرياء تظل تستحق من يسعى من أجلها، حتى وإن كان الثمن هو الحياة نفسها.

ومنذ ذلك اللقاء، تبلورت الرؤية وتوحدت الإرادة على هدف واضح: إحداث أثر حقيقي وملموس في حياة السودانيين، داخل البلاد وخارجها. ولم يكن ذلك لقاء عابرًا، بل نقطة انطلاق لمشروع يتجاوز الإغاثة الطارئة إلى التنمية المستدامة، ويتعدى العمل الإنساني إلى التفكير الاستراتيجي والبحث الأكاديمي. وهكذا اتُّخذ القرار بإنشاء مركز يجمع بين العمل الميداني والنشاط الفكري، في صيغة نادرة لمؤسسة تُدار بعقول سودانية من المهجر، وتُوجّه بوصلتها نحو الوطن الجريح بعيونٍ ترى العمق الإنساني والبعد الوطني في آنٍ معًا.

تأسس مركز الإغاثة والتنمية السوداني الأمريكي (SARC) في أواخر عام 2023 كمنظمة أمريكية غير ربحية، مسجلة رسميًا في ولاية نيوجيرسي بكامل الامتيازات القانونية. لم يكن التأسيس مجرد خطوة إدارية، بل تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن مستقبل السودان لا يُبنى بالداخل وحده، بل بحاجة إلى جهد جماعي يعبر الحدود، ويستنهض طاقات الكفاءات السودانية في المهجر—تلك التي لم تنقطع يومًا عن الوطن، وتحمل في وجدانها قضاياه، وفي يدها أدوات الفعل والتأثير.

ومن هذا الفهم العميق لحجم التحديات وتعقيداتها، انطلقت رسالة المركز، مستندة إلى أربعة أعمدة رئيسية هي:
1. تعزيز التنمية البشرية من خلال دعم التعليم، والصحة، وبناء القدرات في المجتمعات السودانية.
2. الاستجابة للطوارئ، خصوصًا في أوقات النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية، بما يوفر الحماية والإغاثة للمحتاجين.
3. بناء جسور التفاهم الثقافي بين الشعبين السوداني والأمريكي، لترسيخ قيم الحوار والتبادل الإيجابي.
4. إنتاج المعرفة والسياسات، عبر دعم الأبحاث والدراسات التي تخدم صناع القرار وتوجه الرأي العام نحو حلول واقعية ومستدامة.

هكذا بدأ SARC، لا كمجرد مؤسسة، بل كحالة وعي جماعي تُترجم إلى عمل منظم، يستلهم الحاضر ليستجيب له، ويصنع مستقبلًا أفضل للسودان وأجياله القادمة.

ومنذ اندلاع الحرب المدمرة في السودان في أبريل 2023، انزلقت البلاد سريعًا إلى هاوية واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. أرقام مفزعة تتصدر تقارير الأمم المتحدة: أكثر من 8 ملايين نازح ومهجّر قسريًا، وما يقارب 25 مليون سوداني في أمسّ الحاجة إلى الغذاء والماء والرعاية الصحية الأساسية.

وفي خضم هذا الواقع القاتم، لم يتوانَ مركز SARC عن النهوض بمسؤولياته الإنسانية، مستندًا إلى روح المبادرة وشبكة من الشراكات الفاعلة. فقد دخل المركز في تحالف استراتيجي مع “البعثة المتحدة للإغاثة” (UMR)، وهي واحدة من كبرى منظمات الإغاثة الدولية التي وجدت في SARC ما يميّزه: الجدية، والمهنية، والشفافية، والإخلاص في خدمة الناس.

ومن ثمار هذه الشراكة، تم تكليف المركز بتنفيذ عدد من المشاريع الإغاثية الكبرى، من أبرزها:
• مشروع الأضاحي لصالح النازحين في معسكرات بورتسودان، القضارف، وسنار، والذي استهدف توزيع لحوم الأضاحي على آلاف الأسر المتضررة.
• برنامج الإفطارات الرمضانية لعامين متتاليين، والذي وفّر وجبات ساخنة يوميًا للنازحين خلال شهر رمضان.
• توزيع أكثر من مليوني وجبة غذائية جاهزة في مناطق النزوح، ضمن حملات طارئة هدفت لتخفيف الجوع في لحظات الأزمة القصوى.
• توفير دعم طبي مباشر للمراكز الصحية في ولايات الاستقبال، شمل الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.

بهذه الجهود، أثبت مركز SARC أنه ليس مجرد صوت للشتات، بل يد فاعلة على الأرض، تستجيب للنداء الإنساني في أصعب لحظات الوطن.

ولا يتوقف دور SARC عند الإغاثة، بل يتعداه إلى التنمية المستدامة، إدراكًا منه أن معالجة جذور الأزمة السودانية تتطلب العمل على بناء الإنسان وتمكين المجتمعات. وفي هذا الإطار، يركّز المركز على:
• برامج التعليم، خاصة للأطفال في مناطق النزوح، من خلال تقديم الدعم للمدارس، والكتب، والزي المدرسي، والمساعدات المعيشية.
• مشاريع التدريب المهني، التي تستهدف الشباب والنساء في المخيمات والأرياف، لتوفير فرص إنتاج بديلة.
• التوعية الصحية، وتوزيع المستلزمات الطبية، والمشاركة في حملات التطعيم ومكافحة الأوبئة.

وفي زمن تُطغى فيه أصوات الرصاص على لغة التحليل، ويُستبدل فيه الفعل العاقل بردود الأفعال، يخطو مركز الإغاثة والتنمية السوداني الأمريكي (SARC) خطوة مختلفة: أن يُعيد للفكر مكانته في معركة الإنقاذ الوطني، وأن يربط بين الميدان والمعرفة، بين الواقع والممكن، بين حاجات الإنسان وإلهام الأفكار.

وإيمانًا منه بأن بناء الأوطان لا يتحقق فقط بتوزيع المعونات، بل يتطلب فهمًا عميقًا لجذور الأزمات، يضم المركز بين صفوفه نخبة من الباحثين والخبراء السودانيين في مجالات السياسة، الاقتصاد، الصحة العامة، والعلاقات الدولية، يعملون على إنتاج أوراق سياسات ودراسات تحليلية موجهة لصنّاع القرار في واشنطن والعالم، تُقارب القضايا السودانية من زوايا استراتيجية دقيقة وإنسانية.

وقد لعب SARC دورًا بارزًا في العديد من الفعاليات البحثية والفكرية داخل الولايات المتحدة، من العاصمة واشنطن إلى نيويورك، حيث شارك في ندوات وورش عمل ناقشت ملفات السلام، التنمية، فضّ النزاعات، والهجرة، بالإضافة إلى مستقبل العلاقات بين السودان والولايات المتحدة. وقد كان هذا الحضور المعرفي جسرًا يربط الجاليات السودانية في المهجر بأدوات التأثير العالمي.

ورغم حداثة تأسيسه، فقد خطّ المركز مسارًا علميًا لافتًا، حيث أصدر كتابًا توثيقيًا نادرًا يرصد تحوّلات العلاقات السودانية الأمريكية من الاستقلال في 1956 وحتى العام 2024، كما أعدّ تقريرًا معمّقًا حول أداء المنظمات الدولية في أعقاب نداء الإغاثة الذي أعقب الاجتياح العنيف لقوات الدعم السريع في أبريل 2023. وتجري الان المراجعة النهائية لاصدار كتاب جديد عن “دولة كوش” القديمة، في حين يجري العمل حاليًا على اعداد مؤلف موسوعي يوثق مسيرة السودان داخل منظومة الأمم المتحدة منذ استقلاله وحتى اليوم.

هكذا يؤمن مركز SARC أن رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة جادة هو فكرها، وأن تحويل المعرفة إلى فعل هو أبلغ أشكال الإغاثة، وأكثرها استدامة.

ويضم اعضاء المركز العديد من الخبراء من خلفيات أكاديمية ومهنية متعددة: أطباء، مهندسون، باحثون، طلاب دراسات عليا، وناشطون حقوقيون. ويقوم العمل فيه على التطوع الكامل، ما يعكس روح العطاء والمسؤولية المجتمعية لدى الاعضاء.

وقد تمكّن المركز من بناء شراكات فاعلة مع عدد من المنظمات السودانية والدولية مثل الجامعات ومراكز البحوث العلمية. وقد احسنت الجامعة الوطنية اذ وفرت للمركز مقراً مجانيا بمركز الجامعة في بورتسودان كما انضم عشرات الطلاب والأساتذة متطوعين بالمركز.

وللمهتمين بالمساهمة في هذا الجهد الكبير، يتيح مركز SARC عدّة مسارات للدعم منها التبرعات المالية عبر الموقع الرسمي: www.sarc-sd.org. او الانضمام كمتطوع في البرامج الإغاثية أو البحثية. والمساهمة في شر الوعي بمبادرات المركز على وسائل التواصل الاجتماعي. كذلك يمكن التفاعل معنا اقتراح المشاريع او المساهمة بالأفكار من أي موقع في العالم.

وفي ختام هذه السياحة التعريفية لا يسعني إلا ان اقول أؤكد بالسودان لا يزال حيًا فينا في زمن يسود فيه الإحباط وتُهمّش فيه أصوات البناء، ويثبت مركز الإغاثة والتنمية السوداني الأمريكي (SARC) أن الأمل لا يموت ما دام هناك من يزرعه. فبين أنقاض الحرب، وصدى الألم، تتسرب خيوط من نور، تصنعها جهود المخلصين ممن لم تمنعهم المسافة، ولا صعوبة الطريق، من الانحياز إلى أهلهم ووطنهم. فهذا بالطبع مشروع إنساني رائد، ولكنه أيضًا مشروع وطني… عنوانه أن السودان لا يزال حيًا فينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى