رأي

حسين محمد علي يكتب : بلاء وانجلاء.. كم شبعت يا جنا!! 

حسين محمد علي يكتب :

بلاء وانجلاء.. كم شبعت يا جنا!!

 

 

 

(١)

تقول الحكمة الشعبية (الخير على قدوم الواردين)، فيما لا يستبعد المؤرخون أن (الشر) يمكن أن يتلبس (أقدام) المغادرين،، وبعض الشخصيات يكون وجودها على دفة المواقع المهمة او القطاعات الحيوية، او المسؤليات الكبيرة وبالا على الموقع، لا تدري من نحس يحمله أم من حاله عرضية تتملكه أو تصادف وجوده في الموقع وبذلك، يرتبط اسمها بذلك النحس الذي حل على القبيلة أو المدينة او الولاية او جميعهم معا.. وهكذا.

(٢)

وأكثر صاحبة نحس على قومها وقبيلتها، كانت تلك التي تسمى ب(البسوس) في العهد الجاهلي،، هذه المرأه كانت لها ناقة، نزلت بها ضيفةٌ على قبيلة تغلب والتي اجارها زعيم القبيلة (جساس)، وأطلقت البسوس ناقتها ترعى فذهب في حمي ملك قبيلة بكر وكان ملكهم يدعي (كٌليب)، فلما رأى ناقة البسوس على أرضه، اطلق عليها سهما فقتلها، عند ذلك غضب زعيم قبيلة تغلب جساس،، فأحتدم النقاش بينه وبين كليب فأطلق جساس سهما قتل به كٌليب كما قتل ناقة البسوس، فاوصي كٌليب قبل موته أخاه (الزير سالم) بأن ياخذ بثاره من قبيلة (تغلب)،، فاندلعت الحربين بين القبيلتين لمدة أربعين عاما، فكانت (البسوس) أشام امرأة على القبيلتين تسببت في ابادة الآلاف من البشر في أطول حرب في التاريخ الجاهلي عرفت بحرب (البسوس)، أي اطلقوها على أسم المرأه التي تسببت فيها،والتي إستمرت نحو (اربعين عاما).

(٣)

وسوء الإدارة في البلدان النامية يعكس، عدم إلتزام الدولة بتدريب الكوادر خاصة في المجال الإداري، ويرى علماء الإقتصاد أن الحل يكمن في تأهيل قادة جدد،ومن ذلك نعلم أن ثمة مشكلة حقيقية تعترض الدول والبلدان التي لم تفكر في بناء وتأهيل الصف الثاني من القادة ، وهنا نشير إلى أن العقم القيادي وغياب الصف الثاني من القيادات البديلة يعتبر أهم المخاطر التي تهدد مستقبل الدول وهيئات الأعمال ، مما يعني أن من أهم وأفضل الأعمال القيادية إعداد قيادات الصف الثاني وتزويد المنظومة القيادية بالعناصر الشابة القادرة على حمل أمانة ومسؤولية المستقبل ، ولذلك قيل: (إذا كان لدى القائد رغبة في إعداد من يخلفه فقد حقق نصف النجاح، وإذا لم تكن لديه الرغبة في ذلك فقد حقق نصف الفشل)..فكم ياتري في سوداننا هذا الذين يحققون نصف الفشل ..بالتاكيد إنهم كٌثر.

(٤)

إن أمل المستقبل أن تتحول منظمات المجتمع إلى منظمات للتعليم،وهيئات الأعمال ومؤسسات الدولة( Learning Organization)الي اداة للتعلم والتدريب .. وهذا يؤكَد على أهمية التعليم المستمر في حلقات من التأثير والتفاعل وتواصل الأجيال مما يبرز لنا نوعاً فريداً من القادة يقومون بأدوار المعلمين ويطلق عليهم القادة المعلمين -القائد المعلم.

وينقل (كولن، وبوراس) ، عن جاك ويلش الرئيس السابق لشركة جنرال إليكتريك قوله: “من أهم المسؤوليات الملقاة على عاتقنا التأكد من استمرار وجود قيادة متمكنة، وقد كنا دائماً نكافح كي يكون لدينا مرشحون إحتياطيون، وأقمنا برامج تدريبية من أجل القيام بأفضل إعداد لأفضل المرشحين ونحن دائما منفتحون بشأن خطط الخلافة، فنحن نؤمن أن قيمة الاستمرار لا تقدر بثمن”.

(٥)

وتبرز الأبحاث والدراسات التي تتحدث عن القيادة وعن تعاقب القادة على وجه التحديد تبرز لنا عدد من النقاط تتمثل في أن عمليات الإحلال القيادي كانت عمليات روتينية على مستوى القيادة الإدارية العليا والوسطى والدنيا، فلم يكن ينظر إليها كفرصة لتنمية وتطوير المواهب الواعدة التي يجب الاحتفاظ بها، ثم تغيَّر هذا الاتجاه كغيره من الممارسات الإدارية، فالموظفون الموهوبون يتعرضون للإغراء والاستقطاب من قبل المنافسين، والمنظمات التي لا تنتبه إلى أهمية وضع سياسات وإستراتيجيات ملائمة للتعاقب القيادي ستجد نفسها في مأزق حقيقي، لأنها ستخسر قياداتها السابقة واللاحقة.

(٦)

كذلك أن القيادة قابلة للتعلم، عليه فإنه يمكن بل يجب تعلمها على مختلف المستويات الإدارية في المنظمة، أو الولاية أو المحلية،، او المؤسسة المعنية، وحيث أن القيادة قابلة للتعلم والتطور والصياغة بما يتناسب مع العصر فهي إذاً صناعة يمكن إعادة اختراعها لإدارة المستقبل مما يعني إمكانية تعليمها وتوريثها للجيل التالي، بالإضافة إلى ذلك فإن النماذج الحديثة في عملية إدارة التعاقب القيادي تتجه نحو مزيد من المنهجية في الربط بين أسلوب تطوير المواهب والكفاءات داخل الشركة، والخطط الاستراتيجية القائمة، وهي تركز على آفاق الموظف وقدراته الواعدة أكثر من مجرد النظر إلى أدائه الحالي فقط،بهذا ندرك مدى أهمية وضرورة تبني استراتيجية فعَّالة للتعاقب القيادي في منظمات الأعمال التي ترغب في الاستمرار على المدى القريب والمدى البعيد.

(٧)

ومما يؤكد على أن بعض الشخصيات يكون وجودها في الموقع المعين وبالا على الناس والموقع معا عندما يظل الموقع ويظل الناس تتعاقب فيهم وعليهم الأزمات وتضرب حياتهم الجفاف والمحن، وينتقلون من آفه إلى آفه،، ومن كارثة الي كارثه، حتى يظن الناس إنه لم يتبقى من الكوارث والمحن الي ظهور (ياجوج وماجوج)،، ويظل المسؤل الأول في موقع ومقعد المتفرجين على هذه الكوارث والمحن لا يحرك ساكنا،،، فلا حلول آنية ولا خطط مستقبلية،

(٨)

ومما يحمد لمثل هذه الشخصيات وجودها في دفة الإدارة مع تفاقم الفشل حتى آوان الرحيل.. ان ما يحمد لهذا الأمر انها تكون مرجعا لمقياس الفشل ولتفادي هذا الفشل مستقبلا، فيتم تدارك امور الإخفاق والفشل في دراسة الفترة قضاها ذلك المسؤول في الموقع،، وكيفية إدارته له وماهي أبرز أسباب وأساسيات الفشل، طالما أن مقومات النجاح والعبور بالموقع كانت متوفرة وعلى قفا من يشيل لندرك حقيقة (ضيق الأفق )، عند بعض المسؤولين الذين يعول عليهم العبور بالمرفق الذي يديرونه أو المنصب الذي يتسلمونه،، وضيق الأفق هذا يظل مرافقا للشخصية مهما مكث في الموقع الأيام والليالي والشهور والسنين ذات العدد، ليكون وبالا على الناس والبلد معا،، فبمجرد اذاحته من موقعه يهتف الجميع (بلاء وانجلاء)، ليتنفس الناس الصعداء ويشرئبون إلى عهد جديد، وأمل فريد، فيه يغاث الناس وفيه يعصرون.

(9)

وأفضل من أدار شئون الحكم والإماره والادارة بعد الخلفاء الراشدين، هو الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، ورغم انه ورث نفس المشاكل التي كانت موجوده في سلفة، إلا أنه عندما أقام العدل بين الرعية، واعطي كل ذي حق حقه ومستحقة، وأرجع الحقوق لأصحابها، وبسط هيبة الدولة، عندها عم الرخاء الأرجاء وفاض الطعام، على الناس، حتى أنه كانوا يبحثون عن فقير ليعطوه من مال الذكاة فلم يجدوه، عندها الخليفة العادل أن ينثروا حبوب القمح على سفوح الجبال،، وقال قولته المشهورة معللا ذلك فقال (حتى لا يٌقال جاع طير في بلاد المسلمين)،

(١٠)

ومن أعجب ما رواه المؤرخون في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، أنه كان يٌضئ شمعة زيتها من بيت مال المسلمين، إذا أراد أن يكتب شيئا عن أمور الحكم والإماره، وإذا تحدث مع احدهمَ عن موضوع خارج نطاق أمر العامة، اطفأ الشمعه وتحدث مع المتحدث دون تكليف بيت مال المسلمين، مال في أمر لا يهمهم، وروي كذلك أنه من شدة عدله كانت الذئاب ترعى مع الغنم، وذات يوم مر أعرابي بوادي به غنم كثر وإلى جانبهم ذئب يرعى معهم،، ومن دون أي مقدمات انقلب الذئب على الغنم، عند ذلك قال الأعرابي وكان صاحب حكمة (مات رجل عادل اليوم)،وبالفعل لم يمضي وقت طويل حتى نعي الناعي، وفاه أمير المؤمنين، والذي أكدت العديد من الروايات أنه مات مسموما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى