محمد الفاضل يكتب : من كيغالي إلى السودان: مفارقة العدالة الموءودة

من كيغالي إلى السودان: مفارقة العدالة الموءودة

منذ أن انطفأت نار الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، لم تُطفأ شعلة العدالة , ثلاثون عامًا، والبلاد تمشي على جراحها، لا لتنسى، بل لتتذكّر جيدًا
لم تُغلق المحاكم، ولم تنسى الضحايا ، ولم تُهادن الحقيقة ،من أعالي القرى إلى عواصم المنفى ، لاحقت رواندا جلاديها ، فهمت باكرًا أن المصالحة لا تقوم على دفن الجريمة تحت ركام السياسة ، بل على المواجهة الصريحة، والتطهير الأخلاقي .
وفي نيسان/أبريل 2025، أدانت محكمة رواندية بياتريس مونينييزي، التي أُعيدت من الولايات المتحدة، بعد أن ثبت تورطها في التحريض والقتل خلال مجازر بوتاري.
وقبلها بأشهر، في باريس، صدر الحكم ضد الطبيب يوجين روايموسيو بالسجن 27 عامًا، بعدما شارك في التخطيط للإبادة.
وفي نيويورك، سقط فاوستين نسابوموكونزي في قبضة العدالة، بعد عقود من إخفاء دوره في المجازر. رواندا كانت قد حكمت عليه غيابيًا بالسجن المؤبد ،
هذه الوقائع ليست مجرّد أخبار قانونية، بل دروس في تصميم الأمم على ترميم نفسها بأدوات الحقيقة، لا بأقنعة التسوية ،
وفي الطرف الآخر من القارة، يتجرأ قادة ما يُعرف بـ”تأسيس” على ترديد اسم رواندا، وهم يجلسون إلى الطاولة مع حميدتي، قائد إحدى أبشع المليشيات في تاريخ السودان الحديث ،
مليشيا تورّطت في الإبادة، الاغتصاب، الحرق، والنهب، باعتراف تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.
ويشاركهم هذا المشهد عبد العزيز الحلو، الذي لطالما تحدث باسم “الهامش”، ليجلس اليوم في حضن من دمّر الهامش وشرّد نساءه وأطفاله، وتحت رعاية إقليمية هي ذاتها الراعي الرسمي للمليشيا ،
فأي “عدالة انتقالية” هذه؟
هل كانت كيغالي لتنهض لو عاد القتلة وزراءً؟
هل كانت لتُبنى الذاكرة الوطنية على طمس الحقائق وإعادة تدوير الجلاد؟
هل أصبح الدم مجرد تفصيل يُناقش في قاعات التفاوض برعاية الخارج؟
إن ما يُطبخ اليوم في قاعات نيروبي الفخمة ليس انتقالًا، بل صفقة فوق المقابر، وتحت راية الإفلات من العقاب.
صفقة تنشد “الاستقرار” بتناسي المجازر، و“الوحدة” بتدوير القتلة ، إنها مساومة على الحقيقة، محاولة لمحو الجريمة من ذاكرة الوطن .
الفرق بين كيغالي والسودان اليوم ليس في التاريخ، بل في الكرامة السياسية ،
الأولى واجهت شياطينها، ونظرت في وجه ماضيها دون مواربة، فنهضت ، أما الثانية، فتمضي نحو تسوية رخوة، تطلب من الضحية أن تنسى، ومن الجلاد أن يحكم ،،








