رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :شهادة كاميرون هدسون أمام الكونغرس.. فرصة استراتيجية للسودان لوقف دعم الإمارات لمليشيا الدعم السريع

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :شهادة كاميرون هدسون أمام الكونغرس.. فرصة استراتيجية للسودان لوقف دعم الإمارات لمليشيا الدعم السريع.

 

 

في تطور نوعي يعزز موقف السودان في ساحات الدبلوماسية الدولية، أدلى الخبير الأمريكي البارز كاميرون هدسون، المدير السابق للشؤون الإفريقية في مجلس الأمن القومي الأمريكي، بشهادة قوية أمام اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي يوم 22 مايو 2025، فضح فيها الدور الذي تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة في تأجيج الحرب المستعرة منذ ١٥ أبريل ٢٠٢٤ في السودانية من خلال تزويد مليشيا الدعم السريع بالسلاح والدعم اللوجستي.

وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من حيث توقيتها ومصدرها، إذ جاءت في لحظة تشهد فيها الحرب في السودان تصعيدًا إنسانيًا خطيرًا، وتضييقًا واسعًا على المدنيين في العاصمة ودارفور. وتُمثل مضمونًا غير مسبوق في الوضوح والصراحة بشأن الدعم الإقليمي للمليشيات، مع دعوة واضحة للإدارة الأمريكية لاتخاذ إجراءات حاسمة تجاه هذا التدخل.

 

ماذا قال كاميرون هدسون للكونغرس؟

 

جاء في شهادة هدسون:

“لدينا أدلة دامغة على أن الإمارات توفر الدعم العسكري لقوات الدعم السريع، وتشحن الأسلحة إليهم عبر طرق غير مباشرة تمر بجنوب ليبيا وتشاد. هناك وثائق وصور أقمار صناعية تؤكد حركة طائرات شحن ذات صلة بالإمارات. كما عُثر على جوازات سفر إماراتية في مناطق كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع، مما يشير إلى وجود عناصر استخباراتية محتملة تعمل على الأرض.”

وأضاف هدسون بلهجة حاسمة:

“إذا كانت الولايات المتحدة جادة في حماية المدنيين ووقف المذابح، فعليها أن تتخذ موقفاً حازماً ليس فقط تجاه المليشيات التي ترتكب الانتهاكات، بل أيضاً تجاه الدول التي تزوّدها بالسلاح. الإمارات تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، ويجب أن تواجه العواقب.”

وفي واحدة من أهم نقاط الشهادة، دعا هدسون إلى الاعتراف بالواقع الجيوسياسي دون التهاون مع مآسي الحرب قائلاً:

“علينا أن نقرّ بأن الدول الإقليمية، كالإمارات وغيرها، لها مصالح مشروعة في السودان، لكن يمكن تحقيق هذه المصالح دون إشعال الفوضى ونار الحرب والمعاناة الإنسانية. لا شيء يبرر تسليح مليشيا تقتل المدنيين وتحرق المدن وتغتصب النساء.”

وختم هدسون مداخلته بدعوة صريحة للإدارة الأمريكية مطالبا إياها بقوله:

“أوقفوا بيع الأسلحة للإمارات إذا لم توقف تسليح قوات الدعم السريع. نحن لا نستطيع الحديث عن حقوق الإنسان في السودان دون أن نتصدى للتمويل الخارجي الذي يغذي هذه المليشيات.”

وهنا يبرز السؤال عن كيف يمكن للسودان أن يستثمر هذه الشهادة!

تمثل هذه الشهادة فرصة استراتيجية للسودان الرسمي – حكومةً وقوى وطنية – لقيادة تحرك دبلوماسي نشط في مواجهة دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، وذلك عبر عدة مسارات أهمها:

 

1. تحريك ملف الدعم الخارجي في مجلس الأمن:

فينبغي علي الدبلوماسية السودانية توظيف شهادة هدسون كوثيقة رسمية تُدرج ضمن مذكرة إحاطة لمجلس الأمن الدولي، تتضمن المطالبة بفتح تحقيق عاجل حول مصادر تسليح الدعم السريع، وتسليط الضوء على انتهاك قرارات الأمم المتحدة الخاصة بمنع تدفق السلاح إلى مناطق النزاع.

 

2. الضغط على الولايات المتحدة لاتخاذ موقف فعّال:

كذلك على السودان أن يستثمر هذه الشهادة في التواصل المباشر مع وزارة الخارجية الأمريكية وأعضاء الكونغرس لدفعهم نحو فرض عقوبات على أي طرف يثبت دعمه لقوات الدعم السريع، وخصوصًا في ظل تصاعد الضغوط داخل الكونغرس على إدارة بايدن لاتخاذ موقف أوضح.

 

3. تفعيل المسار الإعلامي والدبلوماسي الدولي:

ويمكن للسودان استخدام ما ورد في الشهادة لتوسيع نطاق حملته الإعلامية الموجهة نحو المجتمع الدولي، مع التركيز على كشف الآثار الكارثية للدعم الخارجي على الأوضاع الإنسانية في السودان، وتوجيه الأنظار نحو ضرورة مساءلة الممولين قبل الحديث عن وقف إطلاق النار.

 

4. بناء تحالف مع الأصوات المناصرة في واشنطن:

يُشكّل ما قاله هدسون نقطة التقاء مع عدد من النواب الأمريكيين الذين سبق أن أعربوا عن قلقهم من تورط الإمارات، وعلى رأسهم النائبة سارة جاكوبس والسيناتور كريس فان هولن. وبناء السودان لتحالفات مع هذه الأصوات سيُعزز موقف السودان في واشنطن ويمكّنه من التأثير في صناع القرار.

 

وفي الختام، هذه لحظة يجب ألا تضيع من السودان اذ تُعتبر شهادة هدسون فرصة دبلوماسية نادرة، تُخرج القضية السودانية من دائرة النسيان إلى واجهة النقاش الدولي، وتكشف عن حقيقة أن الحرب في السودان ليست محلية بالكامل، بل مشروطة ومحركة بعوامل إقليمية. وهذه فرصة حقيقية للدبلوماسية السودانية لتوجيه الأنظار نحو جوهر الأزمة، والمطالبة العادلة بوقف تسليح المليشيات، ومنع تدفق السلاح الذي يطيل عمر الحرب ويعمق المأساة. لقد آن الأوان للانتقال من الصمت إلى الفعل، ومن الدفاع إلى المبادرة، مستندين إلى شهادات كهذه تشكل سلاحًا سياسيًا ودبلوماسيًا فعّالًا في معركة السودان من أجل السلام والسيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى