رأي

موسى داؤد يكتب :”على ورق الدولار… تُنسج الخيانات وتُرَهَن الأوطان!”

موسى داؤد يكتب :”على ورق الدولار… تُنسج الخيانات وتُرَهَن الأوطان!”

 

 

نَعَم، لم تَعُدِ العَمالةُ والارتزاقُ في السودانِ سُلوكًا يُمارَسُ في الظلالِ ويُدارُ في الخفاء، بل أصبحا وجهًا مفضوحًا يُطلُّ من بينِ الشعاراتِ البراقةِ، ويتحدَّثُ بلسانِ “الثورةِ” و”التحرُّرِ” و”العدالةِ”، في حينِ أنّهُ لا يعدو كونه تنفيذًا دقيقًا لأجنداتٍ أجنبيّةٍ تُباعُ وتُشترى بثمنٍ بخسٍ على حسابِ هذا الوطنِ الجريح.

 

إنَّ الثائرَ الحقَّ لا يمدُّ يدَه للغريبِ، ولا يُقايضُ كرامتَهُ بالعطايا المشروطة، بل يختارُ الجوعَ على المذلَّةِ، والصبرَ على القهرِ، حفاظًا على لواءِ وطنٍ يستحقُّ التضحيةَ. لا يُفرِّطُ في رايةِ شعبهِ، ولا يساومُ على شرفِ نضاله، فكلُّ دعمٍ خارجيٍّ ليسَ مجّانيًّا، إنّما هو دَينٌ ثقيلٌ يُسدَّدُ من شرايينِ الوطنِ ومستقبلِ أجياله.

 

وأيُّ امرئٍ يتقاضى مالًا من جهةٍ أجنبيّةٍ ليخدمَ مشروعًا سياسيًّا أو فكريًّا مشبوهًا، فتعريفُه البَيِّنُ: عميلٌ مرتزقٌ، سواءٌ أدركَ أم لم يُدرك. وقد صار هذا السلوكُ مُباحًا عند بعضهم، يُمارَسُ في وضحِ النهارِ دونَ خجلٍ أو وجل، يختبئون خلفَ شعاراتٍ خدّاعةٍ، تُضلِّلُ الغافلين، وتُزَيِّنُ القبحَ بألوانِ الحريةِ والكرامةِ الزائفة.

 

لقد عرَفَ السودانُ رجالًا صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، فمضوا شهداءَ على دروبِ العزِّ والكبرياءِ، من عبد الفضيل الماظ إلى علي عبد اللطيف ورفاقِهم، أولئك الذين نقشوا أسماءَهم على صخرِ المجدِ الخالد. فشتّانَ ما بينَ من قدَّموا أرواحَهم فداءً للوطن، ومن باعوهُ بفتاتِ الدولاراتِ ورضُوا بالهوانِ في مكاتبِ السفراءِ وغرفِ المؤتمراتِ المعقودةِ على أجسادِ الشعوبِ الضعيفة.

 

أفلا يسألُ أحدُهم نفسَه: ما الذي يُريدهُ الكفيلُ الأجنبيُّ من هذا “الدعم”؟ وما الثمنُ الحقيقيُّ المدفوعُ في المقابل؟ إنه لا شيء سوى الوطنِ… الوطنُ بكلِّ ما فيه، ترابُه، وناسُه، ومستقبلُه، على ورق الدولار… يُخطّ خريطة الوطن بحبر الخيانة!”

لقد انكشفتِ الوجوهُ يومَ نطقَ بعضُهم بلسانٍ غريبٍ، وروّجوا لخططٍ مشبوهةٍ تُدارُ من خلفِ البحار، وفرضوا على هذا الشعبِ وصايةً خارجيةً، في وقتٍ كانَ الوطنُ بأمسِّ الحاجةِ إلى كلمةٍ نقيّةٍ صادقةٍ تنبعُ من رحمِ الألمِ لا من جيوبِ المانحين.

 

السودانُ، هذا البلدُ العريقُ، ليس معروضًا للبيعِ في أسواقِ السياسةِ الدوليةِ، ولا هو عتبةٌ تُركَعُ عندها الشعوبُ تحتَ وطأةِ الابتزازِ الاقتصاديّ. إنه أرضُ العزَّةِ والمقامِ العالي، عرَفهُ التاريخُ منذ بعانخي وترهاقا، ومرورًا بعلي دينار ومهيرة، وصولًا إلى أبناءِ اليومِ الذين يدافعونَ عن كرامتِه في معركةِ الشرفِ والاستقلال.

 

وها هو التاريخُ يعيدُ نفسه، فيكتبُ من جديدٍ فصلًا من البطولة، حين انتظمَ الشعبُ خلفَ جيشِه الوطنيِّ، وارتفعت راياتُ الدفاعِ عن الأرضِ والعِرض، فسُطِّرت مواقفُ لن تُنسى، وستتوارثُها الأجيالُ كما ورثت مواقفَ الأبطالِ الأوائل.

 

لكنّ في الجهةِ الأخرى من النهر، يقفُ أولئك الذين خانوا، وتآمروا، وتكسّبوا من دماءِ إخوانِهم. وقد حفظَ التاريخُ أسماءَ المقاومين، كما لم ينسَ أسماءَ العملاءِ الذين وشَوا بالأحرارِ وفتحوا أبوابَ البلادِ للأجنبيّ، فسُطّروا في سجلِّ العارِ الأبديِّ، خارجَ ذاكرةِ المجدِ والشرف.

 

واليوم، لا تختلفُ العمالةُ كثيرًا، وإنْ تبدَّلت وجوهُها. عمّالُها من النُّخب، وسُترتُها منظماتٌ “تنمويةٌ” و”حقوقيّةٌ”، وهدفُها واحدٌ: استنزافُ ما تبقّى من نبضِ هذا الوطنِ الطيبِ، والمتاجرةُ بجراحِ الفقراءِ وبؤسِ البُسطاء.

 

فلْيعلمْ كلُّ مَن تورّطَ في خيانةِ وطنِه أنّ الأوطانَ لا تُشترى، وأنّ الشعوبَ وإن صمتتْ حينًا، فإنها لا تغفرُ، ولا تنسى، ولا تَرحم. والخيانةُ، مهما زُيِّنَتْ بالألفاظِ المُنمّقةِ والشعاراتِ الخادعة، تبقى خيانةً، يلفظُها التاريخُ، ويبصقُها الضميرُ الحيُّ، ويحتقرُها كلُّ شريفٍ على وجهِ هذه الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى