موسى داؤد يكتب : رثاء في مقام الوفاء… للأستاذ سيد محمود

بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾،
وقال سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾،
وقال جلّ في علاه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ • ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
هكذا تمضي السنن، وتُطوى الصفحات، ويغيب الجسد، وتبقى الأرواحُ آثاراً من نور، لا تنطفئ في القلوب.
بقلوبٍ يكسوها الأسى، ونفوسٍ يثقلها الفقد، أودّع اليوم أستاذي ورفيق دربي، الأستاذ سيد محمود؛ الرجل الذي لم يكن يوماً مجرد اسمٍ في سجل المهنة، بل كان معنىً ممتداً للحياة فينا، وصوتاً خفياً يعلّمنا كيف نرى الجمال، وكيف نصوغ الصورة روحاً قبل أن تكون إطاراً.
عرفته معلماً… لا يلقّن فقط، بل يزرع، يسقي، وينتظر أن تُزهر فينا المعاني.
وعرفته إنساناً… واسع القلب، طيب السريرة، قريباً كالأب، حميماً كالأخ، وصادقاً كالصديق الذي لا يخون الود.
وإن كان قد ترجل عن منصة العمل الرسمي، ولامس سنون المعاش، فإنه لم يغادر يوماً بيت التلفزيون، بل ظلّ جزءاً من روحه، يسكنه كما تسكن الذكرى الأماكن، وكما يسكن الضوء ذاكرة الصورة. ظل بيننا حضوراً، وعطاءً، وابتسامةً لا تنقطع.
أما كرمه… فحدّث ولا حرج.
كانت أبوابه مشرعة، وموائده عامرة، وقلوبنا تمضي إليه كما تمضي الطيور إلى أعشاشها. بعد ساعات العمل الطويلة، كنا نجد عنده دفء اللقاء، وصدق الضحكة، ومفاجآت الكرم التي لا تشبه إلا قلبه؛ قلبٌ إذا أعطى، أدهش، وإذا أحبّ، أخلص.
وكان، رحمه الله، خفيف الروح، عذب النكتة، يبدد عنّا عناء الأيام بكلمة، ويصنع من اللحظة العابرة ذكرى باقية. كأن الفرح كان يعرف طريقه إليه، فيسكنه، ثم يتسرب منا إليه.
يا أستاذي…
نم هادئاً في مقامك الجديد، فقد أتعبت الحياة حباً وعطاءً، وآن لك أن تستريح في سكينة الخلود.
نم مطمئناً… فما غرسته فينا لن يذبل، وما علمتنا إياه لن يُنسى، وما كنتَه في حياتنا سيظل فينا ما حيينا.
لقد رحلت الجسد، لكنك تركت فينا ما لا يرحل:
أثرٌ من علم،
وظلٌ من حنان،
وصوتٌ خافت يهمس في أعماقنا: “هكذا يكون الإبداع… وهكذا يكون الإنسان”.
وإلى أبنائه الكرام، إخوتي الأعزاء: المخرج سيف سيد محمود، والمنتج والمُعد محمد سيد محمود، وإلى سائر الأسرة الكريمة التي أنجبت هذا العطاء الإنساني النبيل؛ نعزيكم تعزية الأخ لأخيه، ونشاطركم هذا الفقد الجلل، مستمسكين بما تركه لنا والدكم من سيرةٍ عطرة، وذكرٍ لا يغيب، وإرثٍ من القيم التي ستظل عزاءً وسنداً.
وإذ أكتب هذه الكلمات، لا أكتبها بصفتي راوياً أو شاهداً فحسب، بل بقلبي تلميذاً مديناً لفيض عطائه، أنا الأستاذ موسى داؤد، كاتب ومحلل سياسي، أحد الذين نهلوا من مدرسته، وتشكلت رؤيتهم على يديه، فكان لي أباً في المعنى، ومعلماً في الطريق، ورفيقاً في دربٍ لن يُنسى.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن يبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وأن يجزيه عنا وعن كل من تعلم منه خير الجزاء، وأن يلهمكم الصبر الجميل، ويجبر كسركم، ويجمعنا به في مستقر رحمته.
إنا لله وإنا إليه راجعون… ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.








